أخر الأخبار

 
 

 الشهيد أبو علي إياد


 

في تموز من عام 1971 ، فقدت حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) والثورة الفلسطينية، واحداً من أبرز مناضليها، هو القائد الرمز وليد احمد نمر نصر الحسن (أبو علي إياد) والذي كان له شرف المساهمة مع عدد من إخوانه، في تأسيس تجربة الكفاح المسلح الفلسطيني، التي اذكت شعلة الثورة والمقاومة والصمود في صفوف الشعب الفلسطيني .

محطات .. في سيرة البطل الشهيد

 
الاسم الكامل :- وليد احمد نمر نصر الحسن، من مواليد قلقيلية في 12 / 1 / 1935م .
أتم تحصيله الثانوي في قلقيلية حيث حصل على شهادة المترك عام 1953 . عمل مدرساً بعد المترك مباشرة ولمدة وجيزة في مدارس قلقيلية وعزون . أنهى دورة تدريبية لإعداد المعلمين في بعقوبة العراق عام 1954. عمل مدرساً في المملكة العربية السعودية منذ عام 1954 وحتى 1962 ولم يكن عمله في السعودية بعيداً عن العمل العسكري اذ كان مدرساً في دورات إعداد الجند وتثقيفهم .


في عام 1962 وفور إعلان استقلال الجزائر انتقل اليها ليعمل مدرساً ويسهم في حركة التعريب في هذا البلد العربي .

 

انضم إلى العمل الثوري الفدائي منذ الإعلان عن انطلاق الثورة الفلسطينية في الفاتح من كانون الثاني عام 1965.


في عام 1966 أنيطت به مهمة الإعداد للعمليات العسكرية في الأرض المحتلة انطلاقاً من الضفة الغربية. وقد أسهم في هذه الفترة مع القائد أبي عمار في تجنيد الكثير من أبناء فلسطين لحركة فتح .


وفي هذه الفترة النضالية قاد الهجوم على بيت يوسف في 25/ 4/ 1966 وكان هذا الهجوم باعتراف القادة الإسرائيليين، من اعنف ما تعرضت له المستعمرات الإسرائيلية حتى ذلك التاريخ .


وفي الفترة ذاتها قاد عدة عمليات منها الهجوم على مستعمرات هونين، المنارة، كفار جلعادي .


في عام 1966 غادر إلى سورية ليقوم هناك بتدريب وإعداد قوات العاصفة، وأخذ بإعداد قوافل الأشبال ورعايتهم في إطار الثورة الفلسطينية المسلحة .

 

وفي سورية، في معسكر الهامة المشهور أصيب اثر انفجار لغم إثناء التدريب بإحدى عينيه وبساقه التي استعاض عنها بعصاه التي مازال لها ذكريات عند رفاقه الفدائيين.

عاد إلى الأردن عقب حرب حزيران عام 1967 وأوكلت إليه مهمة قيادة الثورة الفلسطينية في عجلون .


نفذ خلال فترة وجوده في الأردن عدة عمليات عسكرية عبر نهر الأردن استهدفت معسكرات الاحتلال ومستعمراته .في 27/7/1971 استشهد أبو علي إياد في أحراش " جرش عجلون" .


أقامت قيادة الثورة الفلسطينية والقيادة العامة لقوات العاصفة جنازة رمزية للشهيد في 17/ 8/ 1971 انطلقت من مستشفى الهلال الأحمر الفلسطيني في المزة إلى جامع فلسطين في مخيم اليرموك .


من الألقاب التي أطلقها القائد أبو عمار عليه " عمروش فلسطين" وكان اللقب حبيباً إلى قلبه شأنه شأن اللقب الآخر"بطل الجبل". انتخب عضواً في اللجنة المركزية لحركة فتح في مؤتمر الحركة العام الثاني مع انه كان موجوداً خلال المؤتمر في المستشفى، كذلك كان عضواً في القيادة العامة لقوات العاصفة .


شارك إلى جانب عمله العسكري بنشاطات سياسية فكان ضمن الوفود الفلسطينية التي زارت الأقطار العربية والاشتراكية وكان آخر زياراته مع وفد الثورة وعلى رأسهم " أبو عمار " إلى الصين. أسهمت علاقاته الودية مع القادة العراقيين في تسهيل إمداد الفدائيين في الكرامة بالسلاح . كما وأسهمت علاقاته الوطيدة بالسوريين في ظهور ما عرف بإجازة فتح وهي الورقة التي كانت الدائرة العسكرية في فتح تصدرها لتسهيل التحرك بين الأقطار العربية .

 كان الشهيد أبو علي إياد متحمساً، حيث كان يدرك أن مهمته الأساسية التدريب والتحضير والإعداد، ليشكل بذلك الرصيد الأساسي للقواعد الارتكازية والعمليات البطولية . كما كان صاحب نظرة إسبارطية للتربية، حيث توجه بحسه ووعيه إلى تربية الأجيال، الذين أصبحوا الآن قادة عسكريين .


شهد أبو علي الوقائع والمعارك الكبيرة، فقد قاد الهجوم على بيت يوسف يوم 25/4/1966 ، وكان هجوماً عنيفاً، لم تتعرض المستعمرات الإسرائيلية لمثله حتى هذا التاريخ، كما قاد هجومات عديدة على مستعمرات هونين، المنارة وكفار جلعادي .

وكان أبو علي إياد، رجل العمل والممارسة، يحضر لدوريات القتال والاستطلاع ودوريات العمق، ويشرف بنفسه على التفاصيل والأهداف، وكان يجسد بنضاله وحركته الدؤوبة الفكر الوطني الذي أطلقته حركة فتح، فكان مع المقاتلين منذ انطلاقة الثورة وحتى سقط شهيدا، بعد أن قرر ورفاقه الموت واقفين على إلا يركعوا. وعندها مضى إلى جوار ربه، ترك تاريخاً حافلاً بالتضحيات والأمجاد، وظل أمثولة حية في نفوس الرجال، الذين يستمدون منه ومن ذكراه استمرار المسيرة النضالية نحو تحقيق النصر .

أصدرت القيادة العامة لقوات الثورة الفلسطينية البيان التالي :

تنعى قيادة الثورة الفلسطينية وحركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) إلى الجماهير العربية والفلسطينية قائداً من قادتها، ومناضلاً من رجالها، وبطلاً من أعز بنيها، الشهيد البطل (وليد احمد نمر) والمشهور باسمه الحركي (أبو علي إياد) عضو اللجنة المركزية لحركة (فتح) وقائد قوات الثورة الفلسطينية في منطقة عجلون ...

والقيادة العامة للثورة إذ تنعى البطل الشهيد (أبو علي إياد) الذي سقط ضحية التواطؤ الإمبريالي الهاشمي وضحية التآمر العربي العميل تقدم لجماهيرنا وأمتنا قصة استشهاد المناضل الشهيد ...


ففي يوم الاثنين 12/7/1971 ، وعلى أثر الحشود العسكرية الأردنية التي بدأت تتجه من الشمال إلى منطقة عجلون جمع القائد الشهيد قادة السرايا في المنطقة ، وأصدر لهم تعليمات واضحة بعدم التعرض للأهداف المدنية في حالة المعركة وألاّ تساء معاملة الأسرى من الجنود ، كما أوصاهم بالقتال دفاعاً عن كرامة الثورة ووجودها ..  وبدأت المعركة صباح اليوم التالي ، وكانت شرسة وقذرة، استعملت فيها القوات المهاجمة، كل أساليب الدمار والقتل والهمجية. ولكن القائد الشهيد (أبو علي إياد) كان يصرخ في رجاله (الصمود الصمود أيها الرجال ، الثورة غرم وليست غنما ، فادفعوا ضريبة الصمود) .
وأرسل برقية للقيادة العامة يقول فيها :

(قررنا أن نموت واقفين ولن نركع والله معنا) .

واستمر الشهيد القائد يقاتل حتى وصلت آخر برقياته إلى أخيه أبو عمار يقول فيها..
(المعركة قاسية وعنيفة والقتال وجهاً لوجه ونقاط التعزيز قد قطعت وسنقاتل حتى الشهادة ).


وهكذا كان للشهيد ما أراد حيث كانت دوريات كبيرة ومتعددة من سرايا الفرقة الثانية تفتش الجبال والوهاد والقرى المجاورة بحثاً عن (أبو علي إياد) وقد رصد مبلغ كبير لمن يلقي القبض عليه حياً أو ميتاً .. وبينما كان الشهيد القائد يحاول عبور منطقة جبلية مع بعض رفاقه صادفتهم دورية للجيش الأردني، واشتبكت معهم إلى أن نفذت ذخيرتهم، واستشهد الجميع عدا أبو علي إياد. وقد أحاطت بالبطل الجريح ثلة من العسكر بقيادة الملازم أول نادر الخالدي ، من كفر يوبا، قضاء أربد ، الذي اقتاده فوراً إلى قيادة الفرقة الثانية وجراحه تنزف .

واستقبل البطل الجريح قائد الفرقة المجرم السفاح عطا الله غاصب ومعه عدد من ضباط وجنود الفرقة ، وبعد أن أجرى المجرم عطا الله غاصب اتصالاً لا سلكياً بالملك حسين شخصياً، تلقى أمراً من الملك بالإجهاز على البطل الجريح، وتم على الفور تنفيذ الأمر الملكي وإطلاق النار على البطل الشهيد (أبو علي إياد) ثم صدر الأمر بإرساله إلى عمان إلى رئاسة الأركان الأردنية لأن القيادة العامة للجيش الأردني لم تصدق خبر قتل أبو علي إياد .. وفعلاً أرسلت جثة الشهيد إلى رئاسة الأركان حيث كان في استقبالها الملك حسين وخادمه الرخيص وصفي التل وثلة من العملاء والمأجورين يشتفون بحقدهم من البطل الشهيد وهو جثة هامدة بين أيديهم ، وينتزع الأجير عصا الشهيد القائد (أبو علي إياد) التي كان يتوكأ عليها من ألم في ساقه أصابه من خلال معارك مع العدو الصهيوني ليضعها في متحفه الخاص أشارة إلى انتصاره على الرجال الأحرار والمناضلين الأبطال ..

يا جماهيرنا العربية والفلسطينية ..

هذه قصة استشهاد البطل القائد، ولقد تأخرنا في إصدار بلاغ رسمي باستشهاده حتى نجمع المعلومات الصادقة حتى جاءنا الخبر اليقين ..

في ذمة الله أيها البطل الشهيد ، نودعك اليوم كما ودعنا بالأمس رفيقك الشهيد القائد أبو صبري ، ومعك قلوب إخوانك ، وعهداً على مواصلة السير في طريق الثورة حتى النصر

 

كلمة عباس زكي في حفل التأبين

الرجل الأسطورة  

قد يكون وصفه بالرجل الأسطورة قليلاً عليه لأنه من النماذج التي تشكل بالرؤيا والمسلكية ارتباطاً واعياً بالهدف ... ومجرد انتماء مثل هؤلاء الرواد للثورة هو التأكيد بأم عينه على أن هناك قضية لشعب فلسطين، حية بحيويتهم واندفاعهم وعادلة بمسلكيتهم واستقامتهم وزهدهم في الجاه والمناصب على حساب أخوة السلاح والوطن .

انتمائي للحركة في أكتوبر 1962 ومعرفتي للشهيد الراحل عبر المكافحين فعلاً عام 1964 واللقاء معه قبل حرب حزيران وهو يقبع بمستشفى المواساة في دمشق اثر انفجار العبوة الناسفة بمعسكر الهامة التي كان قد أعدها لعملية نوعية ضد الاحتلال .
عرف أبو علي إياد عبر نشأته المتأصلة في الثورة كامتداد لجده"عقاب " كما علمت عبر أحبائه ومعارفه عن تاريخ الأسرة .. عرف بخشونته المنسجمة مع العلم العسكري الذي تلقاه في العراق وهذه الخشونة .. إلى جانب الإيمان بالتضحية بالروح والدم والوقت من اجل تحرير فلسطين تركت منه بلدوزر دون كوابح في إنجاز العديد من المهام العسكرية، والتي فرضته دون منازع أو خلاف عضواً " في اللجنة المركزية والقيادة العامة لقوات العاصفة في المؤتمر العام الثاني رغم عدم حضوره المؤتمر لأنه كان خاضعاً للعلاج، فلم يصل إلى رأس الهرم عبر علاقات صداقة مع احد أو معرفة قديمة، بقدر اندفاعه البطولي نحو التنفيذ الصارم لواجباته الوطنية . كانت مشيئة الله أن يقوم القائد الشهيد منهل شديد وهو من الرجال الأسطورة أيضا وذوي الخبرة الواسعة في المتفجرات باستخدام هذه العبوة كوسيلة إيضاح لمجموعة فدائية تتدرب على المتفجرات دون علمه بأنها كاملة التجهيز ، وكان انفجارها قد طغى على صوت الشهيد أبو علي إياد الذي ركض مسرعاً نحو المدرب والمجموعة لتحذيرهم من استخدامها ، باعتبارها كاملة التجهيز في انتظار الانطلاق نحو الهدف المقرر داخل فلسطين . فكان نصيبه أن يكون من الجرحى حملة الأوسمة الحقيقية التي لازمته منذ البدايات . كانت المقابلة طويلة وحميمة وذات هيبة لم اشعر بها من قبل ، فرغم كل جراح الرجل ورغم حرص المحيطين به على منحه قسطاً من الراحة . إلا أن انشداده للوطن وتجاوزه الذات حال دون التعليمات التي عادة ما ترافق من يخضعون للعلاج السريري . كان الأسد الجريح لأهم له إلا الإطلاع على قيادة الدوريات والقيام بالأعمال البطولية التي حال اعتلال صحته دون مواصلتها .
كان أبو علي إياد رحمه الله يتذكر العمليات العسكرية التي قام بها، ويطوف بخياله الجغرافيا الفلسطينية هضاباً و ودايناً ومنعطفات، كان يتفقد الأهداف المطلوبة واحدة واحدة . كما يحاول الاطمئنان على أخوة الدرب .. ويحاول استقصاء ما يدور في أذهان الجماهير .. ويتفحص درجة الالتقاء ونقاط الخلاف .. مع الشرائح المتقدمة في العمل الوطني. كان حريصاً على توفير كل مؤيدات استمرار الحالة النضالية التي لها مرتكزات وثوابت تشكل ضمانة الاستمرار سواء في اختيار الأعضاء أو كيفية التعاطي مع الأهداف والناس .

وسرد لي وبتفاصيل دقيقة أهم ما يعرفه عني والواجب الذي اضطلع به ، وتحدث عن الإخوة الذين هم في دائرة العمل و أيضا عن المتربصين بالثورة والحاقدين على المستقبل الفلسطيني، فشعرت للمرة الأولى بأوسع هامش التقي به مع ذلك القائد، الذي لا يتقدم إلا بنزع الألغام وتنقية وصيانة الوسائل الموصلة إلى الأهداف.

كان موسوعة علمية في الجانب الروحي وبعث الهمم وإحياء القيم وكأنك أمام شيخ من طراز جديد ثوري وصادق وقادر على الإقناع . لم استغرب شيئاً لرجل تعاقد مع الموت ليحيا الوطن . فان لم يكن بمستوى من الخلق والتسامي كما هو أبو علي إياد فعبثاً محاولة تطبيق شعارات العودة والتحرير، وتذليل نتائج القيام بالعمل العسكري من أي فدائي، قد يترتب عليه الموت أو السجن المؤبد أو الإعاقة مدى الحياة .

لفت انتباهي انه متكامل في طرحه السياسي والروحي، ولا يطلب من الآخرين شيئاً يحجم عنه وهذا سر قوته . ويحاول أن يكون النموذج الذي يمكن تقليده في التقشف أو العبر أو الشجاعة أو الأمانة أو الصدق، وباختصار كان يردد أن طهر النفس هو أقوى الحصون وان أردت محاسبة الخونة فكن أمينا لتوفر القناعة بعدالة الإجراء الذي يمكن أن يطال من سرق ، أو باح بإسرار ليستفيد منها العدو .. وكان منسجماً مع مقدمة ابن خلدون في أن الإنسان يتأثر بمحيطه البشري والجغرافي ... الخ . وعليه ليكون نظيفاً ، التدقيق أكثر في المحيطين به ، دون اختلاط الحابل بالنابل .
وبعد جولة في فكر وممارسة وواقع هذا القائد تكرس في ذهني دوره المتميز جداً وعدت إلى الأردن تسللاً عبر الحدود سيراً على الإقدام، لأجد من ينتظرني في الأغوار ، ولديهم ملامح التكليفات المترتبة على لقاء القائد، فعرفت بأن أبو علي وجميع جناح 54 هم نفس الطراز في الانتماء والعصامية والوفاء للعهد والقسم . وبالفعل تواصلت التوجيهات والكابسولات بما يعزز تواصل النضال وتصعيد الكفاح الذي يعكس أهمية وثقل مسؤولية الرواد في الممارسة والفكر.

وبعد حرب حزيران وانتشار فكرة الثورة لم يستطع أبو علي إياد الاستمرار في مستشفى المواساة ، فأخذ يتردد رغم تحذيرات الأطباء على معسكرات الإعداد للرجال الذي شاء القدر أن يسهموا بصنع المجد لهذه الأمة . وفي إحدى زياراته لمعسكر الهامة ، حيث كنت في دور ة، اتسمت بعنف المدربين وقسوة البرنامج، شكوت له أوضاع القادمين من طلائع فتح من مختلف الساحات والذين يحتاجون إلى التدرج في الحياة العسكرية التي لم يعتادوها من قبل . قال لي عليهم التحلي بالصبر وان يدركوا أن المبالغة في قسوة المعاملة قد تنقذ حياتهم حين تعرضهم لخطر حقيقي وهم في الطريق إلى النصر ام الشهادة . وأثار استغرابي أكثر الخشونة التي بدت ملامحها عليهم بعد مراجعتي للأخ الشهيد وكأنه طلب منهم ذلك .

وانتهت الدورة بنجاح دون وقت لتقديم الشكاوى للأخوين أبو عمار و أبو لطف الملقب (بشير المغربي ) في ذلك الوقت . ومن المؤسف أن الشهيد وهو يقف على باب احدى غرف القيادة .. خرجت طلقة بالخطأ فأصابت نفس القدم المصابة سابقاً، وكأن القدر يلاحقه فعاد ثانية لفترة وجيزة إلى المستشفى ليتحول المستشفى ثانية إلى غرفة عمليات ، ويعج بالزوار وخاصة من الفدائيين القادمين من مختلف الساحات ليجسدوا الانتماء بالتفرغ للعمل الفدائي. وبعد أن استعدت الثورة مبكرا بالتحضيرات لانطلاقتها حيث عبر الإخوان أبو عمار وأبو صبري إلى داخل الوطن . قبل أربعه شهور في عملية مسح واستطلاع لإمكانيات ومعنويات شعبنا اثر حرب ونكسة حزيران كما أطلقوا عليها في ذلك الحين .

وهنا وجد أبو علي إياد المبرر بان يتواجد رغم كل الجراح وسط المقاتلين ، و أبو علي إياد لا يعرف له بيت محدد في حياته كما لا يعرف قبره حتى اليوم . وكأنه حي يتنقل كعادته يحمل المعنويات والأمل للمتطلعين إلى تحرير الذات من رواسب وتراكمات المحيط ويسعى إلى تحقيق الذات القادرة على تجسيد الهوية الوطنية والانتماء الحقيقي للثورة .
ليتواصل دوره على مدار عام 67،68،69 ،70 كأحد ابرز القيادات الميدانية ذات الكاريزما والحضور النوعي الذي يمثل شيئا واعداً ، ويضع حداً فاصلاً بين الأمس والغد الفلسطيني .كان الرصيد الاحتياطي النشط عبر وجوده في دمشق -في الجولان -في جنوب لبنان حيث مسؤوليته بعد التواجد العلني للثورة في الأردن، فلم يشعر أحد بالحصار حيث نجد أن أبو علي إياد لم يتوان عن فتح أكثر من جبهة لفك الحصار دون استشارة احد. فالوصف الدقيق لحقبته أنها التجديد الحقيقي لدور المتطلعين إلى التحرير والطامعين بفجر الحرية والاستقلال الوطني .

كنت على اتصال دائم مكنني من معرفته أكثر فأكثر ، خاصة حينما عبر ذاك البطل إلى الأردن واستقر في جبال عجلون . وقد حسمت معركة هناك بإخراج الثورة من المدن . وطلب إلى المغادرة بصفتي عضوا في لجنة الإقليم التي تقرر مغادرتها إلى درعا . حفاظا على أسرار التنظيم ولإدامة الحالة النضالية عبر تأمين المراكز القيادية . حينها رفضت الخروج من الأردن . وطلبت من القيادة أن أتحول إلى الجبل باعتباري مفوضا سياسيا لأعمل مع الشهيد أبو علي إياد ، وكان لي ذلك وهناك عرفته أكثر فأكثر .. كان دائم الشك وذا مصداقية عالية مع النفس ومع الآخرين ، وكان يتعامل مع كل الناس وكأنه المربي الوحيد لا يحيل قضية أو انحراف لأحد ، فحال توصله إلى قناعة وتأكيد عبر لجان تحقيق أو متابعة لأي موضوع على نشاط البحث ، يلجأ إلى طريق العلاج لقناعة الرجل بأن الثورة في مراحلها الأولى تحتاج إلى شيء فوق الروتين وتجاوز للعواطف ..لان الكسر في العظم و أي شيء خطأ قاتل للثورة والشعب . انه ليس عمروشي الجزائري ، ولم يقم بشيء مما قام به عمروشي ولكن لبروز خصوصية في هامشها أكثر قربا من أسلوب عمروشي أطلق على أبو علي إياد "عمروشي" فلسطين حيث لا تأخذه في الحق لومة لائم . فبنفسه دون إعطاء امر لأحد كان يحسم بل يستخدم الإصلاح والتصويب بمختلف الوسائل بما في ذلك استخدام العصا الملازمة لحله وترحاله . وفي بعض المرات كنت اعتقد انه ظالم ولا يجوز إذلال المقاتل بهذا الشكل، ولكن مفاجأتي أن من يضرب بالعصا كان يستحق القتل بل ووجدت معظم من يعاقبهم يتحولون في اليوم الثاني إلى مستوى من الحرص على الواجب الوطني والإقلاع عن مسارب الإهمال ومظاهر الفساد. كان رحمه الله يردد دائما" كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" ويردد" ولكم في القصاص حياة يا أولى الألباب ". "وانصر أخاك ظالما أو مظلوما " .
" أن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه "

"لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه "

كان يردد ، ظروفنا لم تسمح بتربية أبنائنا وترسيخ تقاليدنا وإبراز تاريخنا الحضاري، مطلوب أن يكون الدم الذي يضخ في القلب نقيا كي لا يتعطل القلب فيموت الجسد . كان يرى أن للقيادة خصائص لا تخضع لتأثيرات الدهماء . وأهم واجبات أي قيادة هي تهيئة الظروف لمن يقود سواء في التنظيم بشكل خاص أو الجماهير بشكل عام ، لكي تتفاعل مع الأهداف وان لا تفجع بازدواجية الشخصية والممارسة للقيادة بحيث لا يستوي الخبيث والطيب . فحملة الرسالة أكثر الناس في دفع الثمن ، ورسالة الثورة ، وخاصة الثورة الفلسطينية لشعب موزع في جميع أنحاء المعمورة .
وفي غياب الجغرافيا وتشتت الشعب وحشوة الظروف والاحتلال مطلوب التعامل مع الرواد بجدية ومصداقية "شدة في غير عنف ولين في غير ضعف "
مطلوب عدم السماح بفعل نخجل من الدفاع عنه ، مطلوب الاستمرار في استقطاب الجماهير. وهذا يحتاج من الكادر إلى التحلي بأقصى د\رجات الضبط والربط .
مطلوب ضرب نظام الحصص وتجاوز مرض الذات والشخصانية من أجل قضايا الشعب والوطن . كان الشهيد الراحل ثورة في الثورة ، مدرسة في فتح ، ووطناً في شخص. كان يقوم بمعالجة قضايا المقاتلين بتحسس أوضاعهم والوقوف على ما يحيط بهم .كان من حفظة الملف النضالي ، لم يخطىء ولم يخدع كغيره ليصبح في موقع النقد، وفي يوم 13آب 1971م فوجئنا بالهجوم على أحراش عجلون ، فتقدمنا بإمرته من الوهادنة إلى اشتفينا حيث دارت أشرس المعارك . وهنا طلب النجدة من الإخوة المتواجدين في درعا. فلم يسعفنا أحد وهنا وفي اليوم الثاني رفع أبو علي إياد شعار "نموت واقفين ولن نركع " وسارت الأمور وفقا لصرخته المشهورة . حيث سقطت دبين ذات الامكانات الهائلة في اليوم الثالث، وبقيت أحراش عجلون بقيادة أبو علي إياد تقاتل على مدار عشرة أيام حيث استشهد القائد وهو يتقهقر في سبيرا على مشارف الأغوار .
وهنا توقفت عقارب الساعة الحقيقية في الممارسة الثورية المنسجمة مع القسم والأهداف والوفاء للشعب والشهداء وكل من رحل. ورحل أبو علي إياد جسدا ليحتل أدمغة المناضلين القابضين على الجمر والى الأبد .

سيكون بعد مائة عام الحديث عنه هو الحديث عن عز الدين القسام أو عبد القادر الحسيني أنه لن يترحل عن جواده إلا حبا في الأرض يلثمها وتصعد روحه لتدفع بالغلابا والمخلصين وتحفزهم إلى الاستمرار . وسيكون أبو علي إياد أحد أهم أعمدة النضال الفلسطيني في أوجه. وفارساً من فرسان مرحلة لم يشك أو يشك منها أحد ، كانت مرحلة التضامن والوحدة مرحلة الانتصار على الذات والعدو رغم شح الامكانات . مرحلة تتويج الفدائي على صدور العرب . وباليوبيل الفضي لرحيله نحتاج إلى التمعن أكثر في ذلك المعين النضالي في التربية والإعداد والعمل العسكري والتعبوي ، ذاك المعين الذي لا ينضب. ومن بطن حواء إلى بطن الثرى يمشي ابن آدم ساعة الميلاد .

عودة إلى البداية

بقلم عباس زكي

 

شخصيات في الذاكرة

 
 

© حقوق الإصدار والتوزيع محفوظة لدى مكتب ملف لبنان