أخر الأخبار

 
 

صلاح خلف "ابو اياد"رمز الكرامه الوطنيه

بقلم: عباس زكي

16/1/2012

واحدٌ وعشرون عاما على رحيل أحد أبرز والمع رواد المسيره الثورية في التاريخ الفلسطيني الحديث صلاح خلف" أبو اياد" تلك المسيره التي قادتها حركة فتح رمز الكرامة الوطنية ومعبر الشموخ الوطني للحريه والاستقلال

هو القائد الفدائي الذي كان ديدنه الأول حب الوطن الذي زُرع في داخله حينما كان يافعاً يجري في أزقة يافا، محاولا التقاط المستقبل، تُعطره أعشابها بعبق زهر البرتقال، وكان يتوشح الوطن رداء عشقه مثل صوفي يُهيم في الوجد الإلهي، كان يذوب وجَدّا في عروس البحر يافا التي تعانق السهول في الليل، وتغسل ضوء الشمس الندية، يافا التي أسكنها حبة القلب، ووطن أسكنه حدقة العين، هاجسه دائما أن يراه في القمة ولكنه دوهم بالنكبة السوداء وقيام الكيان الصهيوني الذي حرمه عشقه يافا ليصبح هو وأسرته في عداد اللاجئين المحرومين من الوطن الجنة (فشمر) عن ذراعيه ،وشحذ همته، وأخذ يعمل بعيداً عن الاستعراض، ومحاولات خطف الأضواء، يريد لهذا الوطن أن يكون حراً من كل الطغيان سالماً ومعافاً من كل ما يمكن أن يشوه نضالاته وتضحياته.

المغفور له صلاح خلف "ابو اياد" القائد الفدائي، رجل الموقف الشجاع، والقرار الصائب، والجرأة النادرة، والجسارة الحقة، رجل الصفات المنبعثة من عمق الوعي والإدراك للأبعاد اللانسانيه الغائله بالجريمة كصفة ملازمة للغزاة الصهاينه الذين أبوا الا الانتصار بالرعب والجريمه حتى ضد اولئك الذين ساهموا في تكريس وجودهم عبر وعد بلفور المشئوم إبان الانتداب البريطاني والتي تمثلت باغتيال الكونت براندون بعد نسف تواجد الإدارة في فندق الملك داوود بالقدس.

كان "ابو اياد" متمايز في التحدي بلا خوف او تردد مستنداً على ايمانه بحقه وانتمائه لشعب الجهاد والرباط للشعب الذي خصه الله بكافة سمات وخصائص الريادة باعتباره حارسا لارض الرباط ..ومرابطا في أقدس بقاع الارض مهد الديانات ومهبط الرسالات السماويه وموطن الانبياء ومسرى سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام وعروجه الى السماء ودُروب آلام السيد المسيح عليه السلام .

تسلح "ابو اياد" بقدسية الوطن وتحزم بنفحات اولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين قدس الرسالات والحضارات وانطلق من فكرة العروج ومن دروب الالام حيث العناق الدائم بين الهلال والصليب ومجسدا بروح العهدة العمرية كفاحه من أجل وطن حر.

بهذا الفهم العميق تنامى الكبرياء الوطني في كفاح أبو إياد كقائد متميز في شعب جُلّ رجاله ونساءه فدائين لشعب نذر نفسه للتضحية بالنفس والنفيس من اجل تحرير الوطن من الاحتلال

"ابو اياد" الذي لم يبحث عن منصب ،إنما انقادت القيادة اليه كان يدرك ان شعباً بهذه المواصفات لا ينقصه سوى القيادة النموذج التي ترتدي الشجاعة والالتزام وتحمل المسؤوليةـ فأبرم عقداً مع نفسه أضافه لتعاقده مع الموت كونه عضوا بالخلية الاولى في حركة فتح المشروطة عضويتها بالتضحية بالروح والمال والوقت تجاوزاً لكل الشعارات التي تحولت الى ظاهرة صوتية لا صلة لها بالمواجهة الميدانية مع العدو الغاصب، وبخصائص حركة فتح ذات السياسة الدامية النابعة من فوهة البندقية، تصدر القائد الملهم والمتوج بالوعي واليقين المشهد الفتحاوي بمهمة الإمساك بصمام أمن الثوره اي بما يُعرف بالرصد الثوري بالبدايات، والامن الموحد في إطار "م .ف.ت "، وبتكليفه من زملاءه بالقيادة مسؤولية المهام الصعبه فكان متألق الحضور بسمات الرواد الذين لا يليق بهم الا ان يكونوا عظماء أكثر جسارة في مواجهة التحديات لا تأخذه في الدفاع عن الحقوق الفلسطينية لومة لائم أياً كانت النتائج المترتبة على المواجهة، لانه يدرك مكانة فلسطين العربية والدولية التي احتلت عقله وقلبه، فجمع كل ما لديه من بساله وعنفوان لترسيخ يقينه ورؤياه وخياله الطموح فأصبح قائدا فذاً مسكوناً بثورة الشعب الأسطورة بكل أبعادها النضالية والانسانية فكرس نفسه سيفا مسلولا لمواجهة أعداء الثورة.

أبو اياد استاذ الفلسفة وعلم النفس صاحب كتاب فلسطيني بلا هوية، اكتوى بلهيب النكبة السوداء على يد احتلال غاصب حرمه متعة صباه، واقتلعه وأسرته من عروس البحر يافا مكرها ومكدس الخيال بالمشاهد المأساويه بابشع ارهاب دولي منظم ضد ارضنا وشعبنا بادوات فاشيه قذرة حشوتها عصابات "الارغون وشتيرن والهاجانا" التي تنتهج المذابح الجماعيه والانتصار بالرعب والجريمة كمذبحة الداويمه وكفر قاسم ودير ياسين، مما زرع في قلوب الاوفياء الاقوياء فرسان المرحلة كأبي اياد غلا وحقد دفيناً، بأن لا تسامح مع من قتلوا الأبرياء مع سبق الإصرار بوعي جريمتهم وغياب الإنسانية فحسم أمره ان الدم الفلسطيني دما مقدساً، وعلى كل مغامر ومجرم يوغل بدمنا بأن مصيره الندم، فشكل بمواقفه هيبة النضال وكرامة المقاتلين، ودب الرعب في صدور الاعداء الذين حاولوا اغتياله اكثر من مره وكان في كل مره ينجو بقدرة الهيه أبعدت عنه الموت مرارا إلى أن طالته يد الغدر والخيانه بمجموعة عرفت ببندقيه للايجار وأشد مأساة من موته ان يغتال بأيدي من نذر روحه من اجلهم وممن زرع فيهم التضحيه وبان فوهة البندقيه لا توجه الا لصدر العدو الصهيوني من اغتصب الارض والحريه.

كان الشهيد القائد "أبو إياد" الأكثر دفئاً مع رفاقه والأكثر قدره على تصويب الأمور عند الخلاف باعتباره القائد الأكثر براعة في تدوير الزوايا، وتجاوز الأزمات مع احترام الذات والاكثر اقناعاً لمن يختلفون معه وكان القائد الوحيد الذي استطاع قرع جرس الإنذار لاي زعيم او نظام او قوة تحاول إضعاف المسيرة أو الالتفاف عليها، فبات بذلك مرجعية وطنية حقيقية لكل رافعي الهامة الذين لا يعرفون المساومة على الوطن وكرامات مقاتليه.

وبحكم ايمانه ومبدأيته بالمواقف وبما يتمتع من كرامة وطنية كسمة ملازمة له حظي بإهتمام واحترام كل من اختلف معه بدءاً من "جلالة المغفور له الملك حسين والمغفور له الرئيس حافظ الأسد والراحل صدام حسين ورؤساء لبنان" فرنجية وسركيس، وأمين الجميل" وكافة القيادات اللبنانيه على الاطلاق ومعظم الزعماء العرب باستثناء القذافي الذي قال به "ابو اياد" ما قاله مالك بالخمر فكسب ببعده القومي والانساني وبحس الثائر المرهف الصادق احترام كل من اختلف معه رغم التباعد في المواقف باعتباره صوتاً جهوراً للصامدين في المتراس الأول وفي مواجهة الحركة الصهيونية دفاعا عن امتنا العربية وعن ما أمطرته الدماء الفلسطينية بإسقاط شعار الحركة الصهيونية (حدودك يا اسرائيل من النيل الى الفرات).

وللدور البارز والمتميز للشهيد القائد "أبو إياد" أطلقت عليه الصحافة ووسائل الإعلام والمختصين بالشأن الفلسطيني لقب الرجل الثاني بفتح وهو القائد الذي يحتضن المعارضه ويمارس الندية للقائد ياسر عرفات ، فهو المقاوم الملهم القادر على تقريب وجهات النظر المختلفة بذكاء شديد ومسؤولية عالية، وكان يدير أي صراع ينشب بحنكته القيادية على قاعدة ولائه للحركة، بحيث تتلاشى الخلافات بسرعة البرق في الأزمات منتهجا قانون أخلاقي مارسته الخليه الاولى (اللجنة المركزيه العليا للحركه)عنوانه وحدة الرأس من اجل سلامة الجسد وقناعة الخلية الاولى ان اي تمايز لاي عضو فيها مسار فخر ومكسب للحركة وتألق ايا منهم هو تألق للقضيه الذين رهنوا حياتهم من اجلها وعليه كان الكبار على درجه عاليه من الانسجام والقدره على توزيع الادوار بهدف حماية وتعزيز المسيره وهي تعبر حقول الغام لا حصر لها تتطلب من المرونه والحسم والشجاعه وانكار الذات ما يضمن السير على الاشواك وصولا الى تحقيق الحلم والطموح للشعب الفلسطيني العظيم وبالتالي اعتمدت فتح على العظماء ك ابو اياد اكثر من اعتمادها على النظم والمؤسسات استنادا الى قانون المحبه والمنظومه الاخلاقيه التي ما سمحت لاحد التاريخين الخروج عنها رغم شعوره احيانا بالغبن الداخلي وبخاصه شخصيه مشعه ذات كريزما مثل صلاح خلف الذي دفع من رصيده على اكثر من صعيد منسجم مع روحه وهمته وحميته التي اعطت الدليل تلو الدليل انه من صناع المستحيل وكأنه ما خلق إلا لفلسطين وثورتها.

لعل الرحيل المبكر لأبي إياد رغم هول الفاجعة تركه في الذاكرة حياً كامل الصفات، كأحد أهم عشاق فلسطين تاركاً خلفه ملحمة من الوقائع والمهام ،رحل عنا وهو في الثامنة والخمسين من العمر ولكن كل يوم بسنة،ولعله راضيا لأنه لا يعيش بيننا اليوم،والمشاهد المأساوية تتكرر على أرضنا وشعبنا حيث تداس الكرامات وتدنس المقدسات، ومقابل كل ما قدمته القيادة الفلسطينية للسلام،تزداد إسرائيل تطرفا وجحودا وتوغل في الدم والانتقام معززة بكل احتياطي الإدارة الأمريكية في المنطقة،وهذا ما كان ليطيقه أو ليتقبله أو يستوعبه أبو إياد وعليه فقد رحل غدرا وليس قهرا.

رحل متمنطقا بتاريخه النضالي، مزهوا بالاحتفاظ بكراماته الوطنية، ومواقفه البطولية التي تجاوزت كل التوقعات، واصطحب في رحيله إلى دار البقاء أحب الرجال وأكثرهم وفاءً وعطاء وثقه، ذاك التوأم هايل عبد الحميد رفيق الصبا والمسيرة، وشريك المهام الصعبة الذي مثل اللازمة والضرورة لأبي إياد، حيث يرى فيه وفاء الصديق وشراكه العشق الأبدي لفلسطين، ولعلي أعطي أبو الهول في معرض الحديث عن أبي إياد بعض حقه فما رحل أبو الهول إلا وفاءً، وحباً، ودفاعاً، لتبقى التوأمة والثنائية معا في الجنة إلى جانب رفيق عمرهما فخري العمري أبو محمد .

وداعا أيها القائد العظيم أبا إياد يا من تمثلت بالعظماء وبأشجع الخلفاء الراشدين عمر بن الخطاب، حينما رفضت أن تغادر عمان بعد أحداث أيلول إلا بعد مخاطبه الجماهير في مخيم الوحدات، ورغم كل النصائح لعدم فعل ذلك خوفا عليك كان ردك حاسما أن قلوب الأردنيين يملؤها الحب لفلسطين ولمن اخلص لها ورفع شأنها ولم أكن إلا من هذا النموذج الذي لا يخاف أحباء القضية، وصدقت الرؤيا عندما صوب الجيش الأردني فوهات البنادق نحو الأرض وهم ينصتون ويسمعون باهتمام واحترام إلى خطابكم التاريخي في وداعكم لعمان.

ما أحوجنا إليك أيها المغناطيس الجاذب ورمز تماسك المناضلين وقوة الثورة في مرحلة نحن في ذروة الذروة في المواجهة.

وهنا وكأني أسمع هتاف روحك التي تحوم حولنا قائلة أيها الفتحاويون تمايزوا فانتم محل رهان وأمل ومستقبل شعبكم..ويا منتسبي فصائل "م.ت.ف" توحدوا رحمة بالشهداء، واستجابة للمصالح العليا للقضية لتكونوا بمستوى الشعب الفلسطيني العظيم ،بمستوى شعب الجبارين الذي كان يحلو لرمز مسيرتنا أبو عمار أن يردد ها دائما...الشعب اكبر من قيادته.

وداعا وقد بدأت، وتخلدت فارساً وقائداً لم يبهر إلا بالفروسية لفلسطين يا مّن اتشحت عيناك بالسواد وقت رحيلك الأبدي حبا للون الأول للعلم الفلسطيني.

العهد أن نبقى على درب النضال لتحقيق طموح شعبنا في التحرير والعودة والدولة

عودة إلى البداية

بقلم عباس زكي

 

شخصيات في الذاكرة

 
 

© حقوق الإصدار والتوزيع محفوظة لدى مكتب مفوضية العلاقات العربية