أخر الأخبار

 
 

في الذكرى الـــ 24 للاستشهاد أبو جهاد

أبو جهاد فيض البطولة وقامة الكرمل بين الطالعين الى العلى

بقلم: عباس زكي

15/4/2012

في ظلال الخالدين نستذكر الأرض والبحر والسماء، وتحط بنا المواقف والأحداث على أبواب التاريخ ، حيث انتصار الكف على المخرز، واللحم على حد السيف ، والإقدام على التردد .

 إن الشهيد القائد أبو جهاد هو لغة الكبرياء وصفحة الرجولة الحية على مد الزمان، وجلال الصبر على المبدأ، ورمز القابضين على جمر الحقيقة ، وتصميم المنطلقين  من معاقلهم بالدم والنار والبارود وإرادة الشعب الذي لن يموت .

لقد تصلب كما الصوان في وجه الجريمة الصهيونية الدولية على فلسطين ، وتحجر الدمع في عينيه أمام المجازر التي ارتكبت بحق شعبها الأعزل عام 1948 ، وقال واصفاً هذا المشهد الحزين الذي تعلق في روحه طفلاً ورافقه طوال حياته الكفاحية بينما كنت في السنوات الأولى من عمري رأيت العصابات الصهيونية تجمع أهالي مدينة الرملة في ساحات الكنيسة وتقوم بقتلهم واحداً بعد الأخر وسمعت حشرجات الموت تنبعث من صدور الشيوخ والنساء والأطفال وأحسست بحريق الرملة يلفح وجهي وضميري وشعرت بأرواح الشهداء تتعلق على جسدي وتطوف في روحي طواف الحجيج .

لقد قتلوهم دون رحمة وإرتحلنا في غيابهم نبحث عن الأحياء في كل الدروب .

هذا هو أبو جهاد الطفل الموجوع الذي نضج في غير أوانه وهذا هو الرجل الضمير والذاكرة الجامعة لأحمال النكبة وجرائم التقتيل والتنكيل بحق أبناء شعبنا الأعزل وجرائم التشريد والإجلاء والترحيل انه صبر الحقيقة على جور الزمان ونضوج الوعي بين الذاهبين إلى حتفهم وبوح الصباح على وجه الخليقة .

لقد جبلت فلسطين لحمه بالملح والتراب وتجلدت مشيئة الغضب المقدس في دمه الحار ليستحيل في وعي التاريخ الى أسطورة وفي شعاب الأرض إلى كرامة ومنار وها هو اليوم في ذكرى استشهاده يعود من دمه إلى ساحات المسجد الأقصى وكنيسة القيامة ويقرأ على الناس آيات الذكر الحكيم ويمسح بكفيه الطاهرتين أوجاع الصليب ، يتهلل بعزيمة الانتصار ويعلو على جواد من نور الشمس والكواكب ويرش المسك والحناء في حواري القدس العتيقة ويسبح باسم الله الواحد القهار .

لقد استأمنته فلسطين على نفسها وأينعت في عروقه غلال قمح وأشجار حور وأقمار فكان القوى الأمين الذي جرت على يديه الشريفتين العدالة الثورية الراسخة للقصاص من أعتى ظاهرة استعمارية عنصرية في التاريخ البشري وأدانتها أمام الضمير العالمي وأمام الشعوب المكافحة من اجل الحرية والسلام وتعريه أعمالها الإجرامية المتواصلة بحق شعبنا الفلسطيني والشعوب الحرة والمناضلة في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية .

لقد استخلص أبو جهاد وإخوانه الرواد الأوائل في حركة فتح لشعبهم الحر النبيل عدالة قضية، وعدالة كفاح وطني، وثورة شعبية مسلحة قادرة على استرداد فلسطين واجتراح النصر العظيم، فكانت فتح التي أسسها مع رفيق دربه الشهيد الرمز ياسر عرفات أنشودة النيران والبارود ، وعنوان الشرف والبطولة لكل احرار العالم .

لقد أزال الحدود والفواصل بين حياته الشخصية وحياته الوطنية والكفاحية وكانت الثورة الفلسطينية بالنسبة له هي الأم الروؤم التي يأوي إلى حضنها الدافئ وهي الصحبة والعائلة والأهل والأبناء ، وهي الاهتمام الأول والأخير في صحوة ونومه وحلمه ووجدانه، فأسهم في تعديل مساراتها في مؤتمر الفصائل الفلسطينية المنعقد في القاهرة عام 1968 وأنشأ مبادئها ومنطلقاتها على حب فلسطين وحمل أحمالها الثقيلة والدفاع عن وحدتها المقدسة أرضاً وشعباً عزيزاً مناضلاً وثورة وطنية تحررية وحقاً تاريخياً موروث في أعناق الأجيال المكافحة .

لقد أعطى جهده وعقله وإمكانياته لبناء سياق ثوري متصاعد في تاريخنا العربي المعاصر وكان هو الأب الروحي  الى جانب رمز كفاحنا الشهيد الراحل ياسر عرفات لأعظم تشكيلة اجتماعية اقتصادية عسكرية ثقافية إعلامية جامعه لوحدة الثورة الفلسطينية وقادرة على الاشتباك مع الاحتلال وإدامة الصراع مع المشروع الاستعماري الصهيوني حتى هزيمته واقتلاعه من الجذور وإخضاعه صاغراً ذليلاً لإرادة الحق والإنصاف وحكم التاريخ على الظواهر الاستعمارية الاستيطانية العدوانية . حيث كان أبو جهاد ثورة في شعب عظيم وقائد في أمة مكافحة وقادرة على استملاك مشيئتها وتوطينها على الحرية و الانعتاق .

لقد كان قائد ثورة ، وصانع تاريخ ووقائع وأحداث ، وحدوياً حتى النخاع وعروبياً حتى المهابة يطوف بين الاقطار بحثا عن المناضلين أصحاب الخيارات الصعبة من أبناء الأمة ويلف الامصار استجابة للواردين على منابع الثورة والساهرين على القوة والاندفاع إلى مواقع الاشتباك المسلح في صراع الوجود المتفجر على الأرض الفلسطينية .

لقد كان فصل المقال في قول الرجال وطوق النجاة وقت القتال محمولا على كفة البيضاء وخبزه الحلال يسرج للتاريخ نواصيه ويغض الطرف عن المهابط والأهوال، يعيش من اجل قضية ولا يتعيش عليها، مثل أولئك اللذين يتعيشون خضراء الدمن،  يندفع إلى المغارم، وبعف عن المغانم  ويؤثر الاعمال على الاقوال ويأخذ من خدود الصخر مراميه، عاش أمينا على وطنه وشعبه وارتقى شهيدا بارا بقسمة وعهده مع الذين قضوا نحبهم في الطريق الى النصر، مستخلفا فينا أجيال ثورة ، ورجال ونساء ينجبون الأبطال ويبرون بعهد الذين ارتحلوا طائعين  ويعاهدون القادمين بعد حين على مواصلة الدرب الطويل ، وبياض الكف ونقاء الضمير  والتمايز  في تجشم الصعاب والمحن  والإقدام على التضحية ، والاستقواء بالإرادة والتصميم على الجدران الاسمنتية وأسلاك الحدود والنيران والبارود وأقبية التعذيب والاعتقال .

لقد رحل ابو جهاد تاركا فينا وعي قضية عادله ، وصفحة ناصعة من البياض والإشراق وهندسة البطولات وتفجير الثورات والانتفاضات وصناعة الرموز والقيادات وعمارة العقول والضمائر وقد علمنا لغة البراكين وأرشدنا الى نضوجها في باطن الارض ووعي النار وقت الشده ، وعلمنا لغة الكرامة والكبرياء وعزة النفس ، وحب الارض والإنسان وطاعة، المبدأ واحترام العقيدة الكفاحية للمناضلين وان نخضر دوما ونزهر عند الشدائد والمحن وان لا نصعر وجوهنا للظالمين وان لا نحترم الخائفين والمترددين وان نتوهج وقت الخطوب وان لا نحيد عن الدروب وان نبقى متيقظين للنوائب ثابتين على خيارنا الصعب لا يذلنا رغاء ولا يضيرنا غثاء وان نبقى كما كان فينا اشداء على الاعداء رحماء على الاصدقاء .

لقد مثل القائد الشهيد ابو جهاد مع نخبة الرموز والقادة الأوائل العنوان الاهم لحرب الفدائيين والثورة الشعبية المسلحة التي لازالت على راس الطلائع الثورية في الوطن العربي والعالم وفي المكان الاهم من الاشتباك والصراع ضد الصهيونية والرجعية والاستعمار حيث اقترن اسمة الاعلى بكل العمليات العسكرية النوعية ضد الاحتلال الصهيوني على الاراضي الفلسطينية  وبناء قواعد الثورة على طول خطوط المواجهة وبناء معسكرات التدريب والإمداد والتجهيز وبناء المؤسسات والأجهزة التصنيعية والقتالية في الوطن المحتل وبلدان الشتات وإكساب الشعب الفلسطيني الخبرة القتالية والوعي والثقافة العسكرية وإعادة انبعاث قوته وطاقاته في هذا الشأن المهم والحساس الذي منعته عنه وقائع النكبة وظروف اللجوء والتشرد والركون الى الغير في تحرير ارضة المغتصبة واسترداد حقوقه هذا فضلاً عن إقتران اسمه بكل المعارك والاجتياحات الكبرى ضد الثورة الفلسطينية ومأثرة معركة الكرامة التاريخية والحزام الأخضر ودلال المغربي ومعارك الدوريات والعبور ومعارك العرقوب والنبطية وصيدا وصور وصمود بيروت التي كان في طليعة القادة والمخططين والمنخرطين في قيادتها والأمثولة في الصبر والصمود تحت نيرانها الى جانب المقاتلين والمدافعين عن الثورة الفلسطينية .

لقد أقترن انتصارنا باسمه الكبير وقامته العالية وتضحياته الجسام فهو القائد المؤسس الى جانب الرمز الخالد الشهيد ياسر عرفات وهو الاب الحاني على اسرى الثورة وأبناء الشهداء والمناضلين والحجر الاساس الذي بني عليه صرح الثورة الشعبية المسلحه وخطها السياسي والتنظيمي الذي مكن من استرداد الشخصية الوطنية الفلسطينية وأسس الى استرداد الوطن وبناء دولته واستقلاله وهو المعلم الاول لفن القتال وفن التخطيط والتنظيم وتجنيد طاقات الشعب ووضعها في مكانها السليم من كفاحنا الوطني الفلسطيني وسيبقى كذلك في حاضرنا ومستقبلنا وثقافتنا وضميرنا الحي وان كان بعيدا في عليين انه يطل علينا من ملكوت السماء ويشحذ فينا الهمم والعزائم ويحثنا على مواصلة الطريق، وفقاً للأمر الذي أصدره لقاوم بندائه الاخير ليلة وداعه ... استمروا في الهجوم وكان في منتهى الصدق في تحمل المسؤولية، إذ رغم مفاجأة العدو إلا أنه أطلق رصاصته الاخيرة وكأنه ينشد الكمال في توديع الحياة التي كانت مكرسة للمسيرة. .

ان امثال الشهيد القائد أبو جهاد لا يرحلون من ضمير الامة ولا يغيبون عن وجدان الجماهير فهم الخالدون في جنات النعيم والباقون في اصل القيم وهم الراسخون في سنام المجد وحروف التاريخ . حيث ارتقى الى مجده في ملكوت السماء وهو يطلق النار على اعداءه ويمسك بكفيه القويتين على سلاحه الشريف

لا نقول وداعا ايها الباقي فينا فنحن على الدرب سائرون ، وعهد المناضلين اليم رضعوا حليب الوطنية أن يسيروا على درب الرواد الشهداء مهما كانت المسيرة قاسية والطريق صعبة .

ولك منا وأنت في عليائك التحيــة

عودة إلى البداية

بقلم عباس زكي

 

شخصيات في الذاكرة

 
 

© حقوق الإصدار والتوزيع محفوظة لدى مكتب مفوضية العلاقات العربية