أخر الأخبار

 
 

بمعركة الكرامة وحدّنا الدم

بقلم: عباس زكي

20/3/2012

إن كان الفاتح من يناير 1965 يمثل لنا شرارة أو صافرة الانطلاق فمعركة الكرامة في 21 مارس 1968 تمثل لنا الميلاد وشاءت الأقدار بفعل معركة الكرامة أن يخسر دايان الجنرال المنتصر نشوة انتصاره في حرب الأيام الستة حسب المصطلح الإسرائيلي الذي سيطر فيها على أراضي ثلاث دول عربيه وشاءت الأقدار بفعل معركة الكرامة أن تتحول أسطورة التفوق العسكري الإسرائيلي إلى أكذوبة وان يسقط شعار الجيش الذي لا يقهر أمام تكتيك واستراتيجيه بين العسكرية الأردنية التي تبحث عن استعادة شرف الجندية والفدائيين الفلسطينيين الذين يمثلون وجدان واردة أمه ترفض الهزيمة مهما كان الثمن

وفي الذكرى الرابعة والأربعون ليوم الكرامة الخالد وفي ظل أوضاعنا الغاية في الصعوبة والتعقيد بفعل الغطرسة الإسرائيلية المتجددة نتذكر لنوفر مرتكزات النصر ففي يوم الاثنين الموافق 18 مارس 1968 أرسلت الاستخبارات المصرية التي تعاني من جرح هزيمة حزيران معلومات أفادت قيادتنا بأن إسرائيل تعد لمعركة للقضاء على القاعدة الآمنة لحركة فتح في الأغوار (غور الأردن) وبالمراقبة الدقيقة على الأرض لوحظ حشودات إسرائيليه تتجه نحو أريحا الأمر الذي دفع بالقيادة ويتقدمها الأخ أبو عمار بالتشاور مع قيادة الجيش الأردني ممثل بالجنرال عامر خماش والجيش العراقي ممثلا بالجنرال محمود عريم واللواء حسن النقيب وتطابق المعلومات إثناء اللقاء مع المشاهدات على الأرض بأن هناك عدوان واسع بهدف اجتثاث الفدائيين الذين اتخذوا من الأغوار قواعد للانطلاق نحو أهدافهم في الوطن المحتل كان الرأي الأردني العراقي بعد استماعهم للأخ أبو عمار رئيس الوفد أنها معركة جيش يقابل جيش وانتم كفدائيين أمل الأمة فلا تكونوا طعام للدبابات والهجمات الصاروخية والطائرات حفاظا على مناضيلكم وضرورة استمراركم والتزاما منكم بقانون حرب العصابات غادروا المنطقة واتركونا نواجه كما ينبغي دون إرباكنا بتواجدكم بين النيران .

في يوم الثلاثاء 19 مارس 1968 ترأس الأخ أبو عمار اجتماع للقيادة في منطقة الكرامة ووضع ووفده المرافق قادة المواقع بكل ما يتعلق بالمعلومات والمواقف وبخاصة نتائج اجتماعهم بجبال السلط مع القيادة العسكرية الأردنية والقوة العراقية الملتزمة بالقرار الأردني

وثمن الحضور حرص الأشقاء على أرواح الفدائيين ولكن برزت قضية جديرة بالاهتمام وهي أن العدوان يستهدفنا أولا ، وثانيا الكل يبحث عن النصر ورد الاعتبار لأمه فاقدة للنصر بفعل هزيمة حزيران فكيف نقنع أنفسنا وكوادرنا بالهرب وخاصة أن قانون حرب العصابات (إذا اقبل العدو اهرب وإذا أدبر اضرب )لم يكن واضحا ومقنعا لمن هم على شاكلتنا كرواد يجب أن يقدموا المال والوقت والروح في حينه كأهم عناصر استمرار الثورة الشعبية المسلحة كأقصر الطرق إلى فلسطين من هنا كان قرار الصمود بإعلان الأخ أبو عمار أمام حشد المقاتلين قررنا الصمود أمام معركة كبرى لتشارك في صنع النصر لأمتنا، والنصر ثمنه الدم ، فمن أراد منكم أن ينزف دم ليحرز نصر فليبقى هنا ومن لا يريد فليخرج خارج أرض العمليات وهو حق له وفق قانون حرب العصابات / وفي يوم الأربعاء 20 آذار 1968 وقد استكملت الاستعدادات على كل صعيد تفقد القادة الميدانيون كوادرهم فوجدوا الإصرار على المشاركة بالمعركة أو لصنع النصر أو الاستشهاد من الجميع ولم يكن العدد لمجموعاتنا في حينه أكثر من أربعمائة مقاتل مما اضطر الأخ أبو عمار أن يتحدث في حشد مماثل وسط هدير الدبابات الإسرائيلية التي باتت واضحة للعيان وتجمع رجال الصحافة والإعلام على الجهة الغربية من النهر في انتظار الهجوم الكاسح على قواعد الفدائيين وتعالت تصريحات دايان بأنه بصدد مهمة تطهير أوكار المخربين وإحضارهم بالشباك إلى الميادين داخل فلسطين المحتلة وتصريحه الشهير أن فتح كالبيضة في يدي احتاج إلى شيء من الضغط حتى سحقها وقال للصحفيين ادعوكم غدا الخميس الساعة الثانية بعد الظهر لمشاهدة قادة الفدائيين مكبلين بالأصفاد. وسط هذا الجو شديد الخطورة

قال أبو عمار أيها الإخوة شكرا لله اذ قررتم الصمود ولكن عليكم أن تتأكدوا أن كل من في السهل منكم سيستشهد أو يؤسر لا محالة فمن منكم يؤثر الحياة سويعات أكثر فليصعد إلى الجبل ليشن طوقا خلفيا عند الإطلاق علينا من العدو تعزيزا للاحوه لحماية ظهرنا وبدأ يتجول على بعض المواقع لتأكد من الجاهزية حيث كان احد الأبطال تحت الاسم الحركي الفسفوري قد حفر خندقه قرب النهر احد الأماكن المتوقع ان تكون على فوهة الجسر الذي ستعبره الدبابات الإسرائيلية إلى ضفة النهر الشرقية فأشار عليه الأخ أبو عمار أن يغير موقع خندقه ولكن الفسفوري رد قائلا يا أخ ابو عمار وقد قررنا الصمود لا أحفر هنا خندقي لأقاتل منه فقط بل حفرت خندقي وقبري معا ليكون قبري متقدما على قبوركم . بهذه الإرادة والروح الجهادية والمعنويات العالية شعر الجميع بحتمية النصر قبل خوض المعركة وكأن التاريخ يعيد نفسه بتزاحم الشهداء يوم الثلاثاء الحمراء الذين تسابقوا على حبل المشنقة في عكا عطا الزير، ومحمد جمجوم، وفؤاد حجازي، بهذه الإرادة والروح وبهذه الثقة بالجندي العربي والإيمان بالمشاركة في معركة من اجل فلسطين التي تشكل الحلقة المركزية في النضال العربي كانت معركة الكرامة التي بدأت يوم الخميس 21 آذار 1968في الساعة الخامسة والربع صباحا قصف مدفعي وغارات جوية وفي السادسة والنصف كان تقدم الدبابات التي واجهت الأهوال بصمود الفدائيين الأبطال الذين خاضوا أشرس المعارك وقدموا مئة وخمس شهداء بما فيها العمليات بالأحزمة الناسفة التي فرضت على الجيش الإسرائيلي وقف التقدم وكان اللافت أن التحام الفدائيين وقطاعات الجيش الأردني المتواجد على خط النار بالعدو إضافة الى استخدام المدفعية السادسة الثقيلة من مرتفعات السلط (عيرا ويرقا) قد سدت الطرق أمام تدفق الجيش الإسرائيلي إلى شرق النهر الأمر الذي أربك الجيش المعتدي بضرب مؤخرته ومنع وصول النجدات وبهذا فقد انضباطه وتم أسر عدد من دباباته التي عرضت بالمدرج الروماني في عمان وتكبد العدو خسائر في المعدات والأرواح لم يكن يتوقعها من قبل بفعل الاستبسال وهذا التنسيق والتعاون الاستراتيجي والتكتيكي الذي رد كيد الإسرائيليين في نحورهم ورفع عاليا الهامات الفلسطينية الأردنية تحت شعارا ردده الجميع كلنا فدائيون وكان مسار اعتزاز المغفور له الملك حسين قوله نحن الفدائي الأول

ما أحوجنا إلى كرامة أولئك الأبطال الشهداء والراحلين الكبار رموز انتصار الكرامة التي كرست اللحمة الأردنية الفلسطينية والعلاقات الأخوية المتميزة.

وردت الاعتبار إلى العسكرية العربية وفرضت الثورة الفلسطينية الرقم الصعب في معادلة الصراع بالشرق الأوسط وفرضت معركة الكرامة نفسها كقضية بحث ودراسة في الأكاديميات العسكرية وكسرت صلف دايان الذي كان أمام أصعب امتحان حينما سؤل ماذا دهاك وأنت القائل نستطيع الوصول الى ما تصل اليه الفانتوم منتصرا حسب تصريحاتك فأجابهم قائلا: ماذا افعل إذا من هم أمامي قد قرروا الموت انهم لو فعلوا عكس ذلك لقضي الأمر وزاد بالقول ان من يضع يده في بيت الدبابير عليه ان يتحمل لسعها بل ذهب الى ابعد من ذلك بعد العمليات الكبرى التي تبعت معركة الكرامة كالحمة والسعديات والأرض الطيبة وتوربيدات البنقالوم قائلا على الصهاينة أن يسعوا جاهدين لتوسيع قبورهم ومن هنا بدأت المؤامرة على وحدة الجهد الفلسطيني الأردني .التي كادت لولا حكم الكبار أن تنجح في تدمير العلاقة إلى الأبد

كل ذلك من تداعيات معركة الكرامة التي كان فيها وحدة الدم الفلسطيني الأردني حيث من الصعب تجاهل أي قائد أردني أو فلسطيني كان سببا في هذا الانتصار حيث وصف المغفور له القائد الفريق الركن مشهور حديثه انه في الخميس 21 آذار 1968 كان صافيا لا اثر فيه للبرق والرعود ولكنه أمطر الانتصار العظيم لأمتنا مزهوا بالتلاحم الأردني الفلسطيني .وكما علق الرئيس الراحل جمال عبد الناصر رحمه الله أن فتح أنبل ظاهرة وجدت لتبقى فأضاف أبو عمار رحمة الله لتبقى ولتنتصر

وكما ذكر المؤرخ ارنولد تويمبي عجبي أن فتح لا تعرف ما تصنع انها لا ترسم خارطة فلسطين فقط بل تتجاوزها بالتلاحم مع الآخرين لرسم خارطة الشرق الأوسط وبالفعل ما أحوجنا إلى وقفة جادة وقرأة متأنية لمعرفة كيف تمت مصادرة انتصاراتنا في وقت يحّول العدو هزائمه إلى انتصار كما في الكرامة وحرب أكتوبر وان ندرك أبعاد الصراع ونضع الأولويات وان تثق بحجم قدرات شعبنا واستعداده الدائم للتضحية بالنفس والنفيس شريطة توفر الوعي الجماعي وثقافة المقاومة ونحن مدرسة ثقافة المقاومة

وما أحوجنا إلى الحمية الوطنية والى شجاعة الموقف ووضوح الرؤيا لمواجهة جدار الفصل العنصري الذي يلغي فكرة الدولة الفلسطينية ومواجهة تهويد القدس الذي يهدد الهوية والعقيدة الإسلامية والمسيحية باعتبارها بوابة الأرض إلى السماء أولى القبلتين وثالث الحرميين ومسرى سيدنا محمد ( صلعم ) وعروجه إلى السماء ودرب الآلام لسيدنا المسيح وصعوده إلى السماء ما أحوجنا إلى مواجهة العدو الذي استخف بالعالم اجمع بفعل تحالفه الاستراتيجي الوحيد مع الولايات المتحدة الأمريكية الذي تنظر إلى المنطقة بعيون إسرائيلية ولا يهمها إلا إسرائيل وأمنها ومصالحها في وقت تتجاهل مصالحها في منطقة حيوية هامة تشكل مخزونا للطاقة شريان الصناعات الحديثة ومتجاهلون أهمية الموقع الجغرافي والوحدة المتجسدة باللغة والعقيدة والتقاليد من المحيط إلى الخليج

لعلنا بصدد كرامة في هذه الحقبة غير قابلة للانتكاس بعد ان انتهى الحال إلى ما هو عليه من تهديد واضح وصريح من كل أعداء امتنا بعد سقوط الرهان على وهم التسوية وظهور نتنياهو وكأنه الحاكم الفعلي للإدارة الأمريكية يوم صفق له الكونغرس طويلا وهو يتناقض مع رؤية بوش للسلام وكذا تصريحات اوباما حول حسم النزاع في الشرق الأوسط الأمر الذي أطلق العنان للخيال الإسرائيلي المريض بأنه القوه التي بإمكانها التحكم في مصائر دول وشعوب منطقة الشرق الأوسط باعتباره يحكم الحزبين الجمهوري والديمقراطي وكأنه السيد المطلق في أمريكا اذ لا تنمية ولا صناعة ولا حياة ولا اية مبادرة تتعارض والرؤية الإسرائيلية لدول وشعوب المنطقة

الأمر الذي يفرض على من يرفضون هذا العدوان السافر وهذا الواقع الفاسد ان يفتشوا على كرامة من نوع جديد وإبداع فلسطيني يتجلى في الأوقات الصعبة على شاكلة الكرامة وان اختلفت الظروف وعلى شاكلة أطول إضراب في التاريخ قام به شعبنا ضد الانتداب البريطاني1936 أو الانتفاضة الكبرى عام 1987التي أسقطت حاجز الرعب واقتحمت القاموس العصري بمصطلح الانتفاضة وان اختلفت الأساليب خاصة وقد بالغت إسرائيل بجرائمها وتراجعت الى المقاعد الخلفية من اهتمامات العالم الذي يتأكد بأنها عبء على أصدقائها وبأنها سبب عدم الاستقرار وأداة التفجير لمصالح العالم في شرقنا الأوسط وقد تصل الى نهاياتها المحزنة اذا ما حدثت صحوة عربية وانتصبت قيم أخلاقية لدى صناع القرار او استحضار مناخات الكرامة . إن الصمود الأسطوري لشعبنا الفلسطيني بكافة أماكن تواجده رغم التنكر لإنسانيته أحيانا من البعض ومواجهته لآلة التدمير والأسلحة الحديثة والمحرمة دوليا المستخدمة من إسرائيل ورغم كل ذلك احتفاظه بمكانته المرموقة دوليا باعتراف 132 دولة وهو يقف على أبواب الأمم المتحدة لنيل الاعتراف بعضوية الدولة الكاملة طال الزمان أو قصر يتطلب في أجواء ومناخات ذكرى الكرامة الخالدة إستراتيجية من طراز جديد تأخذ بعين الاعتبار بسالة شعبنا واستعداده الكامل للتضحية من اجل التخلص من الاستبداد والعبودية والممارسات العنصرية التي فاقت حد الوصف من حكومة التطرف وقطعان المستوطنين وكلابهم وخنازيرهم البرية الأمر الذي يتطلب ترتيب بيتنا الفلسطيني الذي هو سر النهوض والقوه حيث اذا كان في حالة مثالية يمثل مغنطيس جاذب لرفع منسوب التضامن العربي والدولي خاصة في حال استهداف القدس ونحن نعرف مكانتها الروحية لساكني هذا الكوكب وما تمثل من إشعاعات روحية لحملة العقيدة على طول وعرض الكرة الأرضية ويجدر بنا ونحن أصحاب تجارب ثورية أن نخضع العالم الذي يتحدث عن الحرية والديمقراطية والتنمية والسلام وحقوق الإنسان ويدعم الربيع العربي على هذا الأساس أن نسأل أما آن للربيع الفلسطيني الذي بدأ منذ الخمسينات تنظيما ومنتصف الستينات كفاحا مسلح ويتواصل صعودا وهبوطا بأشكال مختلفة وفق سياسة صائبة ودبلوماسية رشيقة

ينتهي بتحقيق الحلم بالدولة والقدس عاصمة وحقنا في تقرير المصير ؟الا يحق لنا أن نسأل الداعين لمكافحة الإرهاب اليس الاحتلال الإسرائيلي لأرضنا هو أعلى أشكال الإرهاب؟؟!! ولماذا السكوت عنه أين المجتمع الدولي من قرارات الشريعية الدولية ومجمل الاتفاقيات التي نكرتها إسرائيل ان الصمت على جرائم إسرائيل يبقي شهيتها مفتوحة على مصادرة الأراضي وزج المناضلين في غياهب السجون وسن ؟القوانين الجائرة وممارسة العقوبات الجماعية بهدم البيوت والاستيطان والجدار وتهويد القدس والترانسفير والوطن البديل وعليه لا بد من وأد حلمها وإفقادها شهية مواصلة العدوان عبر استخلاص العبر والاستفادة من دروس معركة الكرامة كتجربة متميزه

المجد والخلود لشهداء الكرامة الذين كرسوا البعد القومي للقضية الفلسطينية

عودة إلى البداية

بقلم عباس زكي

 

شخصيات في الذاكرة

 
 

© حقوق الإصدار والتوزيع محفوظة لدى مكتب مفوضية العلاقات العربية