أخر الأخبار

 
 

ماذا بعد ساركوزي في قصر الاليزيه

بقلم: عباس زكي

8/5/2012

هل صعود الاشتراكيين  إلى سدة الحكم سيغير وجهة فرنسا نحو عالم جديد ؟ أم أن النموذج الأمريكي الذي جعل من مواقع الرئاسة في  العديد من الدول الغربية واجهة للقوة الخفية التي تدير علاقات العالم بصرف  النظر  عن اسماء  الرؤساء  والاحزاب  السياسية التي  تقف  خلفهم هو النموذج الذي وضع حداً لهذة التوقعات ؟ وما الفرق بين الاشتراكيين والقوميين الأصوليين في فرنسا ؟ أو بصورة أخرى ما هي مصالح الدولة والمجتمع الفرنسي التي تلتزم الأحزاب السياسية بخدمتها؟ وأين موقع هذه المصالح من فكر الأغلبية الانتخابية التي تفرزها عملية التداول السلمي لسلطات الدولة في الجمهورية الفرنسية ؟

إن المجتمع الفرنسي بصورة عامة يميل إلى الاعتقاد بعظمة فرنسا في التاريخ فهي المؤسسة لفكر النبلاء وفكر النهضة الذي فجر الثورة البرجوازية التي انهت سلطة الكنيسة والأنظمة البطريركية الإقطاعية في اوروبا وهي القائدة لحروب الفرنجة على الشرق العربي والبانية لمستعمرات الضم والإلحاق في الفكر الاستعماري الكولونيالي وبالتالي فقد حافظت كل  الزعامات الفرنسية على اهمية تميز فرنسا في  التاريخ  والابتعاد بها عن الانخراط المباشر في الأحلاف العسكرية الاقتصادية التي تأسست بعد الحرب العالمية الثانية والأخذ بسياسة الاعتماد على الذات في حماية مستعمراتها ونفوذها في العالم والتي مثلت هزيمتها في معركة (ديان بيان فو ) ذروة أصرارها على ذلك وكذلك الامر هزيمتها في الجزائر والكونغو والصومال الفرنسي والتشاد وزائير وخروجها تماما من البلاد العربية بعد العدوان الثلاثي عام 1956 وبالتالي فان المتابع لتاريخ فرنسا يجد ثلاثة ميزات أساسية في هذا الشأن الأولى هي رسوخ تميز العقل الفرنسي في الاعتماد على الذات لخدمة مصالح الدولة الفرنسية والابتعاد عن الوثوق  بالغير او تفويض الغير بهذا الشأن مقابل أثمان سياسية تفضي الى احتواء فرنسا أو السيطرة عليها,والثانية هي الابتعاد بفرنسا عن الانخراط المباشر في علاقات الأحلاف الدولية والمحافظة على التوازن بين مصالح هذه الأحلاف أما الميزة الثالثة  والاهم التي يحرص عليها كافة القادة الفرنسيون فهي ضرورة الربط الوثيق بين القوة العسكرية التي تستخدمها فرنسا لحماية مصالحها في العالم والقوة الأخلاقية التي تبرر من خلالها وجودها كدولة عريقة في التاريخ.

 لقد حكمت هذه الميزات الجوهرية الثلاث جميع القادة والزعماء الفرنسيون منذ عهد نابليون وحتى مجيء ساركوزي الذي قلب الأمور رأساً على عقب دون أسباب متصلة بقواعد الفهم والثقافة الفرنسية او متصلة بقواعد المصالح الفرنسية العليا التي  يعيها المجتمع الفرنسي   برمته حيث طغت عليه ميوله الصهيونية وثقافته الشوفونية المتطرفة واندفاعه نحو العبث بمصائر الشعوب النامية والفقيرة مع الانجيليين الجدد في المجتمع الأمريكي وبريق القوة الطاغية في التاريخ الذي يخطف البصر والبصيرة ويصم الآذان عن سماع الحقيقة وبالتالي كان هو الرئيس الأول في تاريخ فرنسا الذي يوافق على إدخالها في حلف الناتو وسوقها خارج إرادة الدولة والمجتمع الفرنسي لخدمة أسياد هذا الحلف والتغطية على الجرائم الدولية التي يرتكبها بحق الغير وهو الامر الذي ادى إلى إخراج فرنسا عن سياقها في  التاريخ واغراقها في  سياقات الظلم والعدوان الامريكي على شعوب العالم دون فائدة مرجوة ودون مكاسب ملموسة تخفف من حدة أزماتها الاقتصادية أو تمكن من خدمة مصالحها ونفوذها الخارجي .

لقد أخذ ساركوزي فرنسا إلى المهزوم والمنتهي من التاريخ وزجها دون مبرر في معركة إنقاذه والدفاع عن قوته الهرمة والمنهوكة اقتصاديا وعسكريا والتي استخدمت كل أسلحتها باستثناء أسلحة الدمار الشامل في إبادة الشعب العراقي الشقيق والشعوب الأخرى التي قامت باحتلال اراضيها ولكنها بعد كل جرائمها خرجت مهزومة صاغرة ذليلة غير قادرة على دفع أثمان الثوابيت التي تحمل جنودها إلى مدافنهم أو ترقيع ثقوب مديونيتها التي زادت عن الدخل القومي الأمريكي جميعه . حيث أدرك الشعب الفرنسي سوء اختياره لذلك الزعيم الخاسر وقام بإجراء التصحيح والتصويب لاختياره الحر من جديد والذي نأمل أن يؤسس إلى أنفكاك فرنسا عن الاحتواء الامريكي  وقطع الانسياق  في  خدمتها وتراجع  فرنسا التي أوقعها ساركوزي في هذا الأتون القاتل عن مشروع خارطة الدم لإعادة تقسيم مناطق الثروات النفطية والطبيعية في البلاد العربية والذي يهدف إلى تحويل كل طائفة او أصحاب مذهب ديني في الوطن العربي ألى كيان قومي وشعب ودولة جديدة أسوة بكيان الطائفة اليهودية في فلسطين التي تدعي أنها امة يهودية وليست صاحبة ديانة بهذه الصفات داخل الأمم والشعوب الإنسانية وذلك جميعه عبر سياسة الإرهاب والقتل والإجرام المتواصل الذي تمارسه العصابات الطائفية والمذهبية وكتائب الأشباح التابعة لوكالة المخابرات المركزية في الوطن العربي ومنطقة الشرق الأوسط والقارة الإفريقية .

ان الفرق بين قيادات وأحزاب فرنسا الحاكمة هو فرق في الرؤية للمعيار الأخلاقي في القوة الفرنسية ودور هذه القوة في خدمة مصالح فرنسا ونفوذها في العالم وليس فرقا في إيديولوجيا التحليل لهذه المصالح أو البناء الفوقي الاجتماعي لا سيما وأن الاشتراكية الغربية هي اشتراكية الدولة الرأسمالية الاجتماعية وليس اشتراكية الطبقة العاملة أو الدولة البرولتارية المعروفة ورغم ذلك علينا أن نأمل تغييراً جوهرياً في سياسة فرنسا الخارجية خلال عهد الاشتراكيين حيال القضية الفلسطينية التي طال الزمان على حلها وكذلك الامر حيال القضية السورية التي زاد ساركوزي من تعقيدها ومن ثم التخفيف من حدةالضغط الأمريكي على المجتمعات العربية التي جرى فيها تغيير أنظمة الحكم وتعطيل المساعي الجارية لمنع انتظام دور الدولة فيها من اجل ارباكها وتمرير مخطط التقسيم الجديد للبلاد العربية وخلق الظروف المناسبة لعودة الأمور إلى طبيعتها وسياقاتها الطبيعية في رفض الاستبداد والتخلف والارتهان لإرادة الغير وليس إعادة إنتاج القمع بوسائل وأدوات جديدة في الوطن العربي الكبير مع التأكيد على أن حكم الاشتراكيين لفرنسا في هذه الظروف سيعزز من دور الاشتراكية الدولية على الصعيد العالمي ويمكن من حل العديد من قضايا العالم العالقة خلال العشرية الثانية من هذا القرن .

عودة إلى البداية

بقلم عباس زكي

 

شخصيات في الذاكرة

 
 

© حقوق الإصدار والتوزيع محفوظة لدى مكتب مفوضية العلاقات العربية