أخر الأخبار

 
 

 ابو عمار حي رغم الرحيل ... متألق الحضور رغم الغياب

بقلم عباس زكي

11/11/2006

في الذكرى الثانية لرحيلك يا أهم القادة واعز الرجال يبقى المشهد  الفلسطيني صموداً أسطورياً لشعبكم مثار فخرك عندما كان يحلوا لك أن تردد انتمي إلى شعب اكبر من قيادته ومكابده فتحاوية بفعل الهجوم الضاري على وحدتها والمحاولات الجادة لغزوها من الداخل, بهدف حرف مسارها وتشويه مسيرة العظماء التي تميزت بمبادرة الكفاح المسلح في الفاتح من يناير عام 1965 ,كأقصر الطرق إلى فلسطين حيث جسدت الطموح الوطني الفلسطيني والعربي على حد وصف الزعيم الراحل جمال عبد الناصر بعد هزيمة حزيران 67 عندما أعلن أن فتح أنبل ظاهرة وجدت لتبقى وبسرعة بديهتكم أيها القائد, الواثق في عطاء شعبه كان جوابه في حينه, فتح وجدث لتبقى ولتنتصر، وبهذا تعانق الميدان لحرب الشعب الفلسطينية مع حرب الاستنزاف المصرية على أرضية لاءات القمة العربية  في الخرطوم, وأضاءت فتح فضاء الأمة بانتصار الكرامة فاتجهت طلائعها باحثة عن السلاح بهدف الإسهام في عملية  النهوض العربي تساوقاً مع المد الثوري العالمي في مواجهة قوى العدوان  وتحرير الأوطان ودحر الغزاة ,كان لكم السبق في اتخاذ قرار بدء الثورة المسلحة وظهرت لكم البصمات الواضحة في الدور الذي لعبته فتح كأحد  أهم مدارس ثقافة المقاومة في العصر الحديث تجلىّ ذلك في علاقاتها الواسعة عملاً لا شعارا , مع مختلف قوى الثورة العالمية عندما تسلمت راية الثورة العالمية من فيتنام في مؤتمر برلين للشباب عام 1973 ولكم شرف صعود منصة الأمم المتحدة كمتحدث لأول مرة باسم فلسطين وتكريس الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية  وجسدتم الانصهار في بوتقة الوحدة بان تكون فتح الفصيل الأكبر العمود الفقري لمنظمة التحرير الفلسطينية , ورغم افتقاركم للسيادة والوطن أصبحتم عضواً في المنظمات الدولية  وبمواقع رفيعة مرموقة وتحملتم بمسؤولية عالية قيادة عملية التحولات الجادة لشعب يجيد التناوب في حمل الراية الذي تحول من شعب لاجئ مضطهد كإرث موزع على الخارطة العربية والدولية ليصبح شعب البطولات بكفاحه وأصبحت القضية الفلسطينية  تملأ سمع وبصر العالم كابد ثم ظروفا قهرية صعبة غاية في الاستثنائية والقسوة ولكن برباطة جأش قل نظيرها , تحولت فتح إلى أوسع مدرسة لثقافة المقاومة .

وجامعة لحرب الشعب حيث رحبت بطلائعها كلية تشيرشال بالجزائر ونان كين بالصين وإمبابة في مصر وفتحت سوريا والعراق معسكراتها لتدريب آلاف الفدائيين ,ولأنها الحركة التي تساءل بشأنها ارنولد توينبي " المؤرخ البريطاني الشهير" إن فتح لا تصنع مستقبل فلسطين فقط إنما ترسم خارطة الشرق الأوسط  ,يدلل على ذلك جسارتكم وطموحكم بهذا الانتقال النوعي للشعب الفلسطيني على درب الكفاح والثورة , أيها الرئيس الراحل جسداً والباقي في الذاكرة والوجدان الوطني إلى الأبد.. لأنك تملك الرؤيا الأوضح لبعد الصراع وعمق المتغيرات العربية والدولية كنت دائم الحركة يتجسد فيك قلق الفلسطيني على مستقبله ومشاعره تجاه مختلف احتياجاته من الأمن إلى التعليم وكل مرتكزات  الحياة الكريمة، كنت رغم الحذر والتهديد بالموت والاغتيال دائم الترحال لفتح آفاق وبوابات الأمل وكسب المزيد من المساعدات والتأييد كان مثار فخرك يكمن في التفوق بإعداد المهندسين والأطباء والحقوقيين وأكدتم  على دور المرأة الفلسطينية صانعة المعجزات في النضال , وكنتم بعقل استراتيجي تبحثون عن سلاح العلم لمن فقد الوطن إمعانا في تمايز الشعب الفلسطيني على أكثر من صعيد . تفتخر بأن لديك العدد الأكبر من الساعات لأقدم " طيار " واعتقد انك القائد الأكثر سرعة للمركبات ، ويشهد على ذلك الطريق الواصل بين عمان وبغداد دمشق أيام النهوض الثوري التي تميزت بشيء من المنعة والرفعة والعزة والكرامة العربية، وكنت عنوان التنافس للحاق بك على ارض المعركة كل هذا بحثا عن أنصار قضايا التحرر والسلام . أيها المشع في حالك الليل العربي الطويل .الأخ أبو عمار.. زعم الغادرون انك رحلت إلى الأبد فكرة وقدرة وديناميكية وتنافسوا على توزيع إرثك وإنزال شر هزيمة بفتح ليقيموا الدليل انك لم تورث شيئاً لغيرك وبإسقاط فتح يعاقبونك مرتين باعتبار السم موت بطيء ,والموت الحقيقي بموت فتح وهم قطعاً واهمون. منهم من رفع شعار التخلص من فتح الفساد ومنهم من رفع شعار التخلص من الحرس القديم ومنهم .... ومنهم .... ومنهم..... ونحن نقول لهم جميعا يقرر مصير حركة الشهداء ذات النصاب في الجنة , شارون الذي يموت فوق الموت ولا بوش الذي يهرول مذعوراً في أفغانستان والعراق  رغم ادعائه بان جرائمه بوحي الهي وكأن المشهد يعيد للذاكرة هروبهم من فيتنام.. واهمون ان فكروا بالانقلاب على فتح المبادئ والأهداف في ظل الاحتلال, ويستحيل تحويل حركة  الوعي الوطني إلى حزب سياسي مسالم يؤمن بالتعايش او يلد من رحم فتح من يتعايش مع الاحتلال , حاصرتهم في حصارك وأنت ترفع إشارة النصر وتردد ثورة ثورة حتى النصر وتردد  يا جبل ما يهزك ريح.. تشحذ الهمم بمواصلة المسيرة على القدس رايحين شهداء بالملايين " مهما كان الثمن كنت محاصراً في  الجغرافيا ولكنك تحاصرهم بالتاريخ.وبالتالي وقفت الزعامات عاجزة أمامك تعترف بشجاعتك وبخذلانها لك , الأمر الذي فرض رحيلك بالصورة الأروع والله يكرم الشهداء وقت الرحيل... فرغم انك لا تملك جيشاً ينتشر في أوروبا وإفريقيا واسيا  كان وداعك على عربة مدفع فرنسي وبأعلى مستويات الوداع فالشكر لفرنسا وشيراك. وعلى عربة مدفع مصري في ارض الكنانة تجمع حوله قادة من مختلف إنحاء المعمورة بالإضافة إلى زعماء القارة السوداء لون علمنا الأول وداعا يليق ببطل أممي تجاوز حدود جغرافيا العرب.

فالوداع الأخير  وقفة عرفات في رام الله هو موعد تجديد العهد والقسم الذي قطعه خليفتك أبو مازن أمام أول ظهور له في المجلس التشريعي كرئيس للسلطة الفلسطينية بالحفاظ على الثوابت حفاظنا على حدقات العيون.

برحيلك الجسدي غابت خصائص إنسانية وسمات قيادية  فكنت الوالد قبل القائد والصديق والأخ والمعلم  يتحلى بسمات قيادية نادرة.. على قاعدة خادم القوم سيدهم.. خاصة وإنكم أول من يصحوا وآخر من ينام.. وعشقك الأبدي للأرض التي أحببتها تجسّد باحتضانها لجسدك الطاهر كأدفأ حضن في الوجود . واعتقد أن هذا سر ترجلك عن صهوة جوادك كرحيل ابدي في ارض عشقك الأبدي, ارض الرسالات ومهد الديانات فلسطين .

الأعداء قالوا مات أبو عمار ويموت معه كل ما يتعلق بحقبة النضال.. ونحن نقول لهم أبو عمار يتجول بيننا بأبجدياته وبطولاته ومقولاته  المأثورة وكلما يُّذكر يتم الترحم علية ويشعر المخلصون بالانشداد إليه كرمز وكاريزما يصعب إعادة إنتاجها من جديد وكونه من هذا الطراز ويحظى بالحضور الفاقع بعد الرحيل  فإنه حي في ضمائر الشرفاء والموت لمن قال مات أبو عمار الحاضر المتوهج رغم الغياب.

برحيل أبا عمار.. رحل معه الكثير, كقانون المحبة...  وفن التكتيك وسياسية حافة الحافة  وسياسة الأقرب للمخاطرة.. رحل ومعه دفئ الأسرة الفتحاوية ونشيد  الوحدة الوطنية.. المتجمعة في شخصه  كقاسم مشترك بين الجميع  نختلف معه ولا نختلف عليه, الرجل السهل الممتنع, ترك فينا الهامة المرفوعة حينما قال لا في كامب ديفيد رفضا للمساومة على الثوابت, وشيئاً من القداسة حينما ربط مصيره بالقدس كعنوان والعاصمة النواة للدولة الفلسطينية ذات السيادة والاستقلال ,.. وأعاد إلى الأذهان أمجاد محمد جمجوم وفؤاد حجازي وعطا الزير وهم يتسابقون على حبل مشنقة الإنجليز وهو يردد يريدوني طريداً او أسيراً او شهيداً وأنا أقول لهم شهيداً شهيداً شهيداً, فالرحمة لأبي عمار العظيم الذي استحق كل ما طلب إلا التحرير الذي ربطه بطفل من الأجيال القادمة يرفع العلم على روابي الكرمل والجليل ان بقيت إسرائيل على أيديولوجيتها بالاغتصاب والعدوان أو بزهرة من الأجيال القادمة ترفع العلم على كنائس ومآذن القدس ,ان آمنت إسرائيل بالتعايش مع الدولة الأساس العربية الفلسطينية التي يجب ان تقوم على أساس شهادة الميلاد الواحدة للدولتين وفق قرار التقسيم " 181 ".


فالرحمة للقائد الذي مثل للفلسطينيين كما مثل جيفارا لأمريكا اللاتينية وتماثل مع كاسترو وماو وديغول وهوش منه وآخرين اقتحموا العقول وسكنوا ذاكرة الشعوب  كمناضلين من اجل الحرية.كما اقتحمت  انتفاضتنا الكبرى قاموس اللغات العالمية بمصطلح الانتفاضة .

ونحن في صدد الذكرى الثانية لرحيل القائد... لا نحتاج إلى  البلاغة في الخطاب ولا  المزيد من ساعات  التأبين. فالتكريم الحقيقي والوفاء في هذه المناسبة يكمن في حماية ارثه الفتحاوي- الوطني -القومي - الأممي كأحد أهم عظماء الثورة والسلام في العصر الحديث.

فهذا التراث جدير بحمايته :

أولاً : من الطحالب التي نمت على ضفاف دم الشهداء من الانتهازية والمرتزقة الذي اساؤا لشرف المسيرة ومناقب الرواد.. وتوجهوا حيث المنافع الشخصية على حساب الأكثر جذرية في التضحية والنضال وحمايته من المؤامرات المتواصلة على أكثر من صعيد من قبل أعداء الثورة والتقدم والسلام والأمن والاستقرار لشعبنا الفلسطيني وحقه في إقامة دولته المستقلة ذات السيادة وعاصمتها القدس .

ثانياً : رد الاعتبار للحركة والقائد بالتركيز على تصليب بناء الحركة والالتزام باللوائح والتنفيذ الخلاق للبرامج بما يكفل استمرارها كحركة وهب للوطن ولا نهب للامتيازات ورد الاعتبار لشرف البندقية بوحدة كل الأذرع العسكرية في إطار يعلن يوم  الاحتفال بذكرى استشهاده بلواء الرئيس الراحل عرفات تكريماً للبندقية وتكريساً لحضورها الملتزم الواعي إلى أن يجلوا الاحتلال.

ثالثاً : رد الاعتبار لشعار الوحدة الوطنية في إطار م.ت.ف وإحياء مؤسساتها وعودتها إلى لعب دور أساسي باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد الذي اجمع عليه شعبنا الفلسطيني وحظي بالشرعيات العربية والدولية وأصبحت المنظمة بيتا رمزيا للشعب الفلسطيني يمثل عقل وشرف الجماهير وأملها في المستقبل.

رابعاً : إنهاء معاناة شعبنا بفعل عقم الحوارات الجارية بصدد الخروج من المأزق الذي تعيشه السلطة والمتمثل في الغياب السياسي لقضيتنا في المحافل العربية والدولية , بخلاف ما كانت عليه في الماضي وما يرافق ذلك من شلل اقتصادي وتدهور امني وصل إلى الخطوط الحمراء المحرمة . واوهم العالم بان فلسطين لا ينقصها سوى الوحدة والحكومة مع تجاهل للمجزرة الواسعة للاحتلال بحق أبناء شعبنا ...وتهويد القدس ومواصلة بناء الجدار والحصار والعقوبات الجماعية ومحاولات اجتياح غزة الصامدة .الأمر الذي يحدونا إلى تكريم الراحل عرفات  بعمل نوعي يتجاوز التقليد وحصص الفصائل والروتين للخروج من هذا المأزق الأكثر خطورة على المستقبل الفلسطيني.

 
نعم ان أخر مآثر القائد الفذ انه ارتضى لنفسه الحصار في مكتبه الصغير لما يقرب لسنوات ثلاث وارتضى باستحداث منصب رئيس وزراء عندما تمت مقاطعته تضحية منه بنفسه لاستمرار الحياة لشعبه الذي يعتمد في الأساس على العون الدولي و كي يجنب شعبه ما كان يتهدده من حصار وتجويع وتركيع ,فأين أنت الآن من واقعنا يا أبا عمار , فالتحية لك والرحمة والخلود ولروحك الطاهرة.

عودة إلى البداية

بقلم عباس زكي

 

شخصيات في الذاكرة

 
 

© حقوق الإصدار والتوزيع محفوظة لدى مكتب مفوضية العلاقات العربية