أخر الأخبار

 
 

 الذكرى العشرون للانتفاضة الفلسطينية

بقلم: عباس زكي

12/12/2007

في حزيران 1982 بلغت المخططات العدوانية التآمرية أوجها ضد حق شعبنا في النضال والتحرير والعودة والدولة الفلسطينية ، فقامت بالاجتياح العسكري الإسرائيلي الواسع على لبنان استكمالاً لمخطط تدمير القواعد الآمنة للثورة الفلسطينية (والقواعد الآمنة عادة هي الملاصقة للحدود وتستخدم لمشاغلة العدو). وإنهاء التواجد المسلح لقوات الثورة وإبعادها عن حدود فلسطين وكسر النفسية الفلسطينية المقاومة ووضع حدٍ لعملية النهوض الفلسطيني بفعل ما حصدته الثورة وحققته من منجزات أهمها وصول المغفور له الشهيد ياسر عرفات إلى أعلى منبر دولي يتحدث باسم فلسطين في الأمم المتحدة.

واكتساب العضوية الكاملة في جامعة الدول العربية لتكون فلسطين على قدم المساواة مع الدول العربية، وما احتلته من مواقع متقدمة في مختلف المنظمات والهيئات الدولية والتجمعات الإقليمية والدولية، وتسلمها راية الثورة العالمية من فيتنام في مؤتمر الشباب الدولي في برلين عام 1973 بالإضافة إلى حصد عدد كبير من قرارات الشرعية الدولية بما فيها 3236 والذي يعطي الحق للفلسطيني بممارسة كل أشكال النضال بما فيها الكفاح المسلح ، وقرار الأمم المتحدة باعتبار إسرائيل شكلاً من أشكال التمييز العنصري وما مثلته الثورة بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية من إحداث توازن فلسطيني وإنهاء الخلل بين التطرف والعدمية ، والابتذال السياسي وما حصلت عليه من حضور متألق على أكثر من صعيد.

كانت المفاجأة الغير سارة لإسرائيل وأمريكا رغم الحشد والإعداد العسكري وأيضاً الزمن (حزيران) الذي يذكرنا بعدوان حزيران 1967 وانتصار إسرائيل على كل الجبهات العربية في حرب الأيام الستة ، ورغم أنها هذه المرة تجتاح جبهة واحدة هي لبنان إلا أنها تواجه صموداً أسطورياً وبطولات وتضحيات قلّ نظيرها من القوات المشتركة الفلسطينية - اللبنانية. في تحدٍ لا يخاف أحدث تكنولوجية الأسلحة (الجوية - البحرية - البرية وآلاف أطنان القنابل الفراغية - العنقودية - الانشطارية - الفسفورية) حيث حولت الإدارة الأمريكية لبنان إلى حقل رماية لتجربة أسلحتها حتى المحرمة دولياً، لتوفير الانتصار لحليفها الاستراتيجي إسرائيل.  

إنها بطولات أذهلت العالم بصمود ومقاومة على مدار ثمانية وثمانين يوماً شهد بها جنرالات العدو في كتاب "أحاديث الغزاة" حول أطفال الـ (آر.بي.جي)، وقلعة شقيف وارنون ومناقع الدم التي جسدت التلاحم العضوي الفلسطيني اللبناني وكأنها استحضرت إرادة كل أحرار الأمة في الدفاع عن ارض لبنان وشعبه وحماية أقدس تحالف لبناني فلسطيني في التاريخ المعاصر ، ذاك التحالف الذي سمح بمغادرة المقاتلين الفلسطينيين وقياداتهم برئاسة المغفور له عرفات بأسلحتهم مرفوعي الهامة مودعين بالزغاريد والأرز والزهور حفاظاً على ما تبقى من لبنان بأن لا يطاله التدمير.

مما دفع الرئيس الراحل عرفات رغم حراجة الظرف أن يرد على الأسئلة بأنه ذاهب إلى القدس، مما أثار استهجان رونالد ريغان في حينه. كانت مراهنة الأعداء على تراجع القضية وخسارة مواقعها بفعل الحصار للثورة وتدمير أدائها العسكري ونفيها من محيط فلسطين، موزعة بين الجزائر واليمن والعراق والسودان بالإضافة إلى وجودها التقليدي في مصر وسوريا والأردن، وكأن هذا الشتات الجديد عازلاً لقيادتها الشرعية التي اتخذت من تونس مقراً لها، خاصة وقد كرّم الله تونس أن تحمل الأمانة العربية باحتضان جامعة الدول العربية والقيادة الشرعية الفلسطينية كونها القلب والقضية المركزية في النضال العربي.

هنا أدرك المنحدرون من رحم الأمهات الفلسطينيات أنهم أمام واقع جديد لا يقل خطورة عن ظروف وأوضاع التيه الذي تلى نكبة 1948 وأدركوا أنهم بحاجة إلى معالجة من نوع آخر. فنكبة 48 احتاجت إلى عشر سنوات لبلورة فكرة فتح في نشره فلسطينيا عام 1958 بأن الكفاح المسلح أقصر الطرق إلى فلسطين وبدأت بعملية المسح والاستعداد والاستطلاع لتأخذ حركة فتح شرف السبق بإضاءة السماء الملبدة بغيوم الهزائم برصاصاتها الحمر وتبعت الأمل والرجاء في نفوس الأوفياء لقضايا التحرر ورفض سياسات الغزو والاستلاب الذي تمارسه إسرائيل.

وعلى قاعدة انتمائنا لشعب فلسطين الذي يجيد التناوب في حمل الراية فما سقطت في ساحة إلا وارتفعت في أخرى، تركز الاهتمام على وطننا المحتل في اعداد واستعداد من طراز جديد لتصويب الأوضاع وتطوير القدرات والاهتمام بالمؤسسات السياسية وخاصة الأندية الرياضية والمراكز الثقافية والجامعات والاتحادات والنقابات ولجان التطوع الاجتماعي للمرأة ...الخ.

وانطلاقاً من إيمان قيادة اتسمت بالرؤيا الأكثر وضوحاً باعتماد الكفاح المسلح رداً على النكبة التي نقلت شعبنا من طوابير اللاجئين إلى قواعد الفدائيين وفرضت من اصغر بلد جغرافيا اكبر القضايا التي تشغل العالم. فقد أمضى العاملون في القطاع الغربي بقيادة مهندس الانتفاضة القائد العسكري أول الرصاص وأول الحجارة أبو جهاد، خمس سنوات من الجهد المتواصل من عام  1982 - 1987 حيث بشرنا في اجتماع المجلس المركزي في بغداد في 15 حزيران 1987 بأن هناك ملامح ثورة من نوع جديد لانتفاضة شعبية واسعة تتبلور في أرضنا المحتلة سترد الاعتبار للشعب والقضية الفلسطينية.

وصدقت الرؤيا ونجح الإعداد بانطلاقة الانتفاضة الكبرى التي نحتفل بذكراها العشرين والتي مثلت المعجزة بانتصار الدم الفلسطيني على السيف الإسرائيلي وبأن يلقى الشباب والشابات بصدورهم العارية وبالحجر كل الأسلحة الإسرائيلية الأمر الذي اسقط القناع عن جرائم إسرائيل التي سوقها الإعلام الغربي بأنها واحة الديمقراطية في غابات الشرق الأوسط.

لقد اتسمت انتفاضة شعبنا الباسل بالوحدة في إطار القيادة الموحدة "قاوم" وبالشمولية حيث غطت كل مخيم وضيعة وقرية ومدينة.

وبالوعي عبر نداءاتها الواعية والمسؤولة والتي كشفت ممارسات إسرائيل العدوانية وعقوباتها الجماعية كالضرائب الإضافية وتكسير العظام وأيضا ببرامجها الميدانية التدريجية بدءاً من الحجر إلى كرات المسامير إلى استخدام السكاكين إلى الحرائق إلى الرد العسكري النوعي إذا لزم الأمر.

 لقد مثلت الانتفاضة حالة متقدمة من التكافل الاجتماعي والتضامن الأسري والعمل الطوعي وتصعيد الفعاليات الجماهيرية والتي وضعت الاحتلال في ظروف حرجة وقلقة أفقدته سمعته الدولية وأسقطت كل رهاناته على كسب العالم عبر الأداء الفلسطيني الرائع الذي أثار اهتمام العالم. بل وغزى أدمغة المهتمين بمصالحهم في الشرق الأوسط ليعترفوا مرة أخرى بفلسطين الرقم الصعب في معادلة الصراع في الشرق الأوسط مع تراجع ملحوظ للإدارة الأمريكية التي سبق وتحدث بلسانها (زبيجنيو بريجنسكي) يا منظمة التحرير ليبدأ وزير خارجيتها جورج شولتز ثم تلاه جيمس بيكر ثم بوش الأب بإطلاق مبادرات انتهت بمؤتمر مدريد للسلام.

في أجواء الذكرى العشرين لانطلاقة الانتفاضة المعجزة نحتاج إلى فعل إبداعي جديد يعطي التأكيد مجدداً أن القضية الفلسطينية حيّة رغم كل أشكال التآمر والقسمة .. وان القضايا العادلة لا تحسم بهبوط المحيط ولا تحاصر بجغرافيات محددة. فالفلسطينيون الحقيقيون ومعهم كل الشرفاء والأوفياء على طول وعرض الكرة الأرضية. من الخطأ التفكير بهزيمة من يناضلون من أجل أعدل قضايا العصر لإزالة آخر احتلال في العالم تمثله إسرائيل لبلدنا فلسطين.

وعلى أبناء فلسطين الرازحين تحت نير الاحتلال البغيض (الإحتلالي - الإذلالي - الإجلائي - الإسكاني - التوسعي) أو من يعيشون في الشتات موزعين رغم كل مؤهلاتهم العلمية ومواقعهم الاقتصادية أو الاجتماعية ورغم ما يمتلكون من قدرات إذا ما تمسكوا بهويتهم الفلسطينية يصنفوا من الدرجات الخلفية.

هذا العذاب والألم لجميع أبناء شعب فلسطين يتطلب الآن وقفة جدية ومراجعة من اجل نقلة نوعية في الذكرى العشرين للانتفاضة المجيدة يستفحل الخطر الإسرائيلي على المنطقة بعدوانه المتواصل دون حسابات دقيقة لقدرات شعب الانتفاضة وتأثيره في محيطه العربي والإسلامي.

تستمر إسرائيل بعدوانها عبر جدار الفصل العنصري وتشديد الحصار الظالم بحق شعب يتسلح بإرادة قوية واستمرار مصادرة الأراضي والاستيطان، وتوسيع السجون والمعتقلات لخيرة أبناء شعبنا والملاحقة والمطاردة والاعتقال ونصب الحواجز وكل أشكال العقوبات الجماعية، ومواصلة الحفريات تحت المسجد الأقصى، والمحاولات اليائسة لتهويد القدس وتفريغها من ساكنها العرب للإخلال بالعامل الديمغرافي، مع التنكر للشريك الفلسطيني والتجاهل للمجتمع الدولي وقرارات الشرعية الدولية وتجاوز كل المعايير المتعلقة بحقوق الإنسان إذاً إسرائيل هيَ هيَ مسكونة بالرعب ومستمرة بالعدوان.

أما على الجانب الفلسطيني وفي الذكرى العشرين لإنتفاضة جسدت حلم الجماهير في الوحدة والتكافل والتضامن وارتفاع منسوب الوعي، وعكس الشخصية الفلسطينية بأجمل صورها في العالم وهي تمارس بوعي جماعي رفض الاحتلال وعربدته مستقطبة العقول لإدانة الجرائم الإسرائيلية ومساندة الحق الفلسطيني باعتباره مسؤولية دولية، من المؤلم أن ما يجري اليوم على الجانب الفلسطيني مغاير تماماً لأخلاقيات وتقاليد نضالية سادت عبر مرحلة الانتفاضة قبل عشرين عاماً. بالرغم من اشتداد الحصار على القلعة الفلسطينية أصيبت حماس بهوس وعدوى الانقلابات تحت مسمى الحسم العسكري دون حسابات دقيقة وكأنها في الذكرى العشرين تعاقب غزة هاشم التي تعيش منذ 14 حزيران، غاية في القسوة والصعوبة والاستثنائية. مشغولة غزة في هذه المناسبة بالشهداء والقتلى والجرحى بأيد فلسطينية لا بحملة الأوسمة شهداء الانتفاضة المباركة. والحالة الفلسطينية كلها تعاني من حملات التشويه والهمس والدس والتشكيك بالماضي والحاضر الفلسطيني في محاولة يائسة لزرع الإحباط بالرؤيا الفلسطينية للمستقبل عبر أعمال فوضوية رعناء يندى لها الجبين لا يقوم بها إلا عملاء تسللوا عبر الخلاف الداخلي لتعميق الشرخ وتشويه الصورة الفلسطينية فبدل التكافل والتضامن تسود حالات الخطف والملاحقة والاعتقال ولم يعد الدم الفلسطيني خط أحمر.

في الذكرى العشرين للانتفاضة يشعر أحباء فلسطين بالحرج في تفسير الصورة الفلسطينية  كون المأساة الفلسطينية أصبحت بأيدي فلسطينية أولاً، في الذكرى العشرين اقتحمت القاموس العصري "مصطلح الانتفاضة" ومن أجل الشهداء والجرحى والمعذبين من أجل الأبطال والأسرى من أجل الأكثر تضحية المنتسبين بالتمييز والرفعة ولخطورة المرحلة رغم نضوج الوعي الدولي حول الصراع، حول السلام، حول مصالح العالم في منطقة مخازن الطاقة يقع على كاهل القيادة التي كان لها شرف السبق بامتشاق السلاح والتي غيرت مجرى المأساة الفلسطينية، ومن وضع اللاجئين والأرض المصلوبة إلى قضية وهوية.

القيادة الأكثر وضوحاً في الرؤيا والأكثر قدرة على تدوير الزوايا بفعل حضورها العربي والدولي الرصين والمتوازن، القيادة التي تمثل الراعي المسؤول عن رغبة القيادة التي قدرها أن تثخن بالجراح، لكنها تسمو على الجرح وتتعرض لكل أشكال التآمر والهجمات وتبقى صامدة صمود جبل أحد وعيبال وأوراس على هذه القيادة اجتراع المعجزة بقيادة الأخ الرئيس أبو مازن خاصة وأنه في ظل اهتزاز الوعي الفلسطيني وشيوع القسمة التي تمثل موتاً حقيقياً، تعود الحاضنة العربية والحشد الدولي مجدداً بحثاً عن سلام مفقود بفعل عجرفة إسرائيل التي أصبحت تمثل عبئاً على حليفتها الإدارة الأميركية التي يتوجب على هذه الإدارة وقد دعى الرئيس بوش نفسه إلى أنابوليس.

عليها أن تنحاز إليه وبمصداقية فقدتها اتجاه فلسطين وتتوقف عن الكيل بالمكيالين بفعل تعصبها الأعمى لجرائم إسرائيل وأن تقرأ بدقة ما يمثله الفلسطينيون كظاهرة استقطاب لكل الأوفياء باعتبارها مهد الديانات ومهبط الرسالات السماوية محروسة بشعب الجبارين، إن قراءة متأنية للوضع الفلسطيني لعربدة إسرائيل وصلفها وللاستخفاف بالشريك الفلسطيني... والحرص على أمن إسرائيل مع تجاهل الأمن العربي يمثل مدخلاً لصياغة إستراتيجية من طراز جديد قد تبلغ بتأثيراتها ما بلغته تأثيرات الثورة الفلسطينية المعاصرة أو الانتفاضة التي غزت القاموس العصري بمصطلح الانتفاضة.

الأمر الذي يضع على كاهلنا جميعاً وفي المقدمة الأخ الرئيس أبو مازن الذي ما انفك يعلن أن حماس جزء أساسي من الشعب الفلسطيني الأمر الذي يفرض علينا أن لا نضع جميع أبناء حركة حماس في سلة واحدة فهناك من قدموا استقالاتهم أثناء الانقلاب من رتبة وزير وهناك من أدان الأعمال الرعناء إن لم يستطع بلسانه فبقلبه. هنالك الأخيار الأتقياء الذين يحرّمون قتل النفس بغير حق ولكنهم ضاعوا جميعاً في لجّة ضجيج السلاح والقتل والثأر ولم يعد بمقدورهم كبح جماح المهووسين المتعطشين للدم والانتقام أو وقف العجلة المتدهورة على أكثر من صعيد.

على القيادة التي أثبتت التجربة أنها الأكثر وضوحاً في الرؤيا إيجاد المخارج العملية من المأزق الراهن الذي يبدوا انه خلاصة لمأزق أمة ومأزق حقبة، وعلى الطليعة دائماً تقع المسؤولية.

عودة إلى البداية

بقلم عباس زكي

 

شخصيات في الذاكرة

 
 

© حقوق الإصدار والتوزيع محفوظة لدى مكتب مفوضية العلاقات العربية